وهو يشارك النحو بعض المشاركة بما يعطي من قوانين الألفاظ، ويفارقه في أن علم النحو إنما يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ما، وعلم المنطق إنما يعطي قوانين مشتركة تعم ألفاظ الأمم كلها؛ فإن في الألفاظ أحوالا تشترك فيها جميع الأمم: مثل أن الألفاظ منها مفردة ومنها مركبة، والمفردة اسم وكلمة وأداة، وأن منها ما هي موزونة وغير موزونة وأشباه ذلك.
وهاهنا أحوال تخص لسانا دون لسان: مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب، والمضاف لا يدخل فيه ألف ولام التعريف: فإن هذه وكثيرا غيرها يخص لسان العرب. وكذلك في لسان كل أمة أحوال تخصه، وما وقع في علم النحو من أشياء مشتركة لألفاظ الأمم كلها فإنما أخذه أهل النحو من حيث هو موجود في ذلك اللسان الذي عمل النحو له، كقول النحويين من العرب: إن أقسام الكلام في العربية اسم وفعل وحرف. وكقول نحويي اليونانيين: أجزاء القول في اليونانية اسم وكلمة وأداة. وهذه القسمة ليست إنما توجد في العربية فقط، أو في اليونانية فقط، بل في جميع الألسنة، وقد أخذها نحويو العرب على أنها في العربية، ونحويو اليونانيين على أنها في اليونانية.
فعلم النحو في كل لسان إنما ينظر فيما يخص لسان تلك الأمة، وفيما هو مشترك له ولغيره، لا من حيث هو مشترك، لكن من حيث هو موجود في لسانهم خاصة.
فهذا هو الفرق بين نظر أهل النحو في الألفاظ وبين نظر أهل المنطق فيها: وهو أن النحو يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ما، ويأخذ ما هو مشترك لها ولغيرها، لا من حيث هو مشترك، بل من حيث هو موجود في اللسان الذي عمل ذلك النحو له.
والمنطق فيما يعطي من قوانين الألفاظ إنما يعطي قوانين تشترك فيها ألفاظ الأمم، ويأخذها من حيث هي مشتركة، ولا ينظر في شيء مما يخص ألفاظ أمة ما، بل يوصي أن يؤخذ ما يحتاج إليه من ذلك عن أهل العلم بذلك اللسان.
وأما عنوانه فبيّن أنه ينبئ عن جملة غرضه: وذلك أنه مشتق من النطق.
وهذه اللفظة تقال عند القدماء على ثلاثة معان: