سوفسطائيين، وكل من رأى رأي ذلك الرجل ونصر مذهبه سمّي بهذا الاسم؛ فإن هذا ظن غبيّ جدا، فإنه لم يكن فيما سلف إنسان كان مذهبه إبطال العلوم والإدراك، يلقب بهذا اللقب، ولا القدماء سموا بهذا الاسم أحدا، لأجل أنهم نسبوه إلى إنسان كان يلقب بسوفسطا، بل إنما كانوا يسمون الإنسان بهذا الاسم لأجل مهنته ونوع مخاطبته وقدرته على جودة المغالطة والتمويه، كائنا من كان من الناس، كما لا يسمون الإنسان جدليا لأنه ينسب إلى إنسان كان يلقب بجدل، بل يسمونه جدليا لمهنته ونوع مخاطبته ولقدرته على حسن استعماله صناعته، كائنا من كان من الناس. فمن كانت له هذه القوة والصناعة فهو سوفسطائي، ومهنته هي السوفسطائية، وفعله الكائن عن مهنته فعل سوفسطائي.
والأقاويل الخطبية هي التي شأنها أن يلتمس بها إقناع الإنسان في أي رأي كان، وأن يميل ذهنه إلى أن يسكن إلى ما يقال له ويصدق به تصديقا ما، إما أضعف وإما أقوى: فإن التصديقات الإقناعية هي دون الظن القوي، وتتفاضل فيكون بعضها أزيد من بعض على حسب تفاضل الأقاويل في القوة وما يستعمل معها: فإن بعض الأقاويل المقنعة يكون أشفى وأبلغ وأوثق من بعض؛ كما يعرض في الشهادات؛ فإنها كلما كانت أكثر فإنها أبلغ في الإقناع وإيقاع التصديق بالخبر وأشفى، ويكون سكون النفس إلى ما يقال أشد؛ غير أنها- على تفاضل إقناعاتها- ليس منها شيء يوقع الظن المقارب لليقين: فبهذا تخالف الخطابة الجدل في هذا الباب.
والأقاويل الشعرية هي التي تركب من أشياء شأنها أن تخيّل في الأمر الذي فيه المخاطبة حالا ما أو شيئا أفضل أو أخس، وذلك إما جمالا أو قبحا أو جلالة أو هوانا، أو غير ذلك مما يشاكل هذه.
ويعرض لنا عند استماعنا الأقاويل الشعرية عن التخييل الذي يقع عنها في أنفسنا شبيه بما يعرض عند نظرنا إلى الشيء الذي يشبه ما نعاف؛ فإننا من ساعتنا يخيّل لنا في ذلك الشيء أنه مما يعاف، فتنفر أنفسنا منه، فنتجنبه وإن تيقنا أنه ليس في الحقيقة كما خيّل لنا، فنفعل فيما تخيّله لنا الأقاويل الشعرية، وإن علمنا أن الأمر ليس كذلك، كفعلنا فيها لو تيقنا أن الأمر كما خيّله لنا ذلك