فإنها في أحوالها كلها شأنها أن تفيد العلم اليقين، وهو العلم الذي لا يمكن أصلا أن يكون خلافه، ولا يمكن أن يرجع الإنسان عنه، ولا أن يعتقد فيه أنه يمكن أن يرجع عنه، ولا تقع عليه فيه شبهة تغلطه ولا مغالطة تزيله عنه، ولا ارتياب ولا تهمة له بوجه ولا بسبب.
والأقاويل الجدلية هي التي شأنها أن تستعمل في أمرين:
أحدهما أن يلتمس السائل بالأشياء المشهورة التي يعترف بها جميع الناس غلبة المجيب في موضع يضمن المجيب حفظه أو نصرته بالأقاويل المشهورة أيضا. ومتى التمس السائل غلبة المجيب من جهات وبأقاويل ليست مشهورة، والتمس المجيب حفظ ما وضعه أو نصرته بالأقاويل التي ليست مشهورة لم يكن فعلهما ذلك فعلا على طريق الجدل.
والثاني في أن يلتمس بها الإنسان إيقاع الظن القوي في رأي قصد تصحيحه إما عند نفسه وإما عند غيره حتى يخيل أنه يقين من غير أن يكون يقينا.
والأقاويل السوفسطائية: هي التي شأنها أن تغلّط وتضلّل وتلبّس وتوهم فيما ليس بحق أنه حق، وفيما هو حق أنه ليس بحق، وتوهم فيمن ليس بعالم أنه عالم ناقد، وتوهم فيمن هو حكيم عالم أنه ليس كذلك.
وهذا الاسم، أعني السفسطة، اسم المهنة التي بها يقدر الإنسان على المغالطة والتمويه والتلبيس بالقول والإيهام، إما في نفسه أنه ذو حكمة وعلم وفضل، أو في غيره أنه ذو نقص، من غير أن يكون كذلك في الحقيقة، وإما في رأي حق أنه ليس بحق، وفيما ليس بحق أنه حق.
وهو مركب في اليونانية من «سوفيا» ، وهي الحكمة، ومن «أسطس» ، وهو المموّه. فمعناه حكمة مموّهة. وكل من له قدرة على التمويه والمغالطة بالقول في أي شيء كان، سمي بهذا الاسم، وقيل إنه سوفسطائي. وليس كما ظن قوم أن «سوفسطا» اسم إنسان كان في الزمان القديم، وأن مذهبه إبطال الإدراك والعلوم، وشيعته الذين يتبعون رأيه وينصرون مذهبه يسمون