فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 291

محسوسة، وإنما يشاهد بالحس الأفعال الكائنة عن تلك القوى. فكل دواء إنما يصير دواء بشيئين: بالأخلاط التي منها ركب، وبالقوة التي بها يفعل فعله؛ والأخلاط مادته، والقوة التي بها يفعل فعله صيغته؛ ولو بطلت تلك القوة منه لما كان دواء؛ كما تبطل حدة السيف فلا يكون سيفا، وكما يبطل من الثوب التحام سداه بلحمته فلا يكون حينئذ ثوبا.

فعلى هذا المثال ينبغي أن تفهم صيغ الأجسام الطبيعية وموادها: فإنها إن كانت لا تشاهد بالحس صارت كالمواد والصيغ التي لا تشاهد بالحس من مواد الأجسام الصناعية وصيغتها: وذلك مثل جسم العين والقوة التي بها يكون الإبصار، ومثل جسم اليد والقوة التي بها يكون البطش. وكذلك كل واحد من الأعضاء: فإن قوة العين غير مرئية، ولا تشاهد أيضا بشيء من هذه الحواس الأخر، بل إنما تعقل عقلا. وتسمّى القوى الأخر التي في الأجسام الطبيعية صيغا وصورا على طريق التشبيه بصور الأجسام الصناعية: فإن الصيغة والصورة والخلقة تكاد أن تكون أسماء مترادفة تدل عند الجمهور على أشكال الحيوان والأجسام الصناعية، فنقلت فجعلت أسماء للقوى والأشياء التي منزلتها في الأجسام الطبيعية منزلة الخلق والصيغ والصور في الأجسام الصناعية على طريق التشبيه، إذ كانت العادة في الصنائع أن تنقل إلى الأشياء التي فيها الأسماء التي يوقعها الجمهور على أشباه تلك الأشياء.

ومواد الأجسام وصورها وفاعلها والغايات التي لأجلها وجدت تسمّى مبادئ الأجسام، وإن كانت لأعراض الأجسام تسمّى مبادئ الأعراض التي في الأجسام.

والعلم الطبيعي يعرف الأجسام الطبيعية بأن يضع ما كان منها ظاهر الوجود وضعا، ويعرف من كل جسم طبيعي مادته وصورته وفاعله والغاية التي لأجلها وجد ذلك الجسم. وكذلك في أعراضها فإنه يعرف ما به قوامها والأشياء الفاعلة لها والغايات التي لأجلها فعلت تلك الأعراض. فهذا العلم يعطي مبادئ الأجسام الطبيعية ومبادئ أعراضها.

والأجسام الطبيعية منها بسيطة ومنها مركبة. فالبسيطة هي الأجسام التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت