فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147) ، (الأعراف) . قال جماعة من السلف، منهم ابن عباس و مسروق و مجاهد: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله، و أتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة، فعلى هذا يكون كلام اللّه له يوم عيد النحر، و في مثله أكمل اللّه عز و جل لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم دينه و أقام حجته و براهينه.
و المقصود: أن موسى عليه السلام لما استكمل الميقات و كان فيه صائما، يقال: إنه لم يستطعم الطعام، فلما كمل الشهر أخذ لحا شجرة فمضغة ليطيب ريح فمه، فأمر اللّه أن يمسك عشرا أخرى، فصارت أربعين ليلة. و لهذا ثبت في الحديث: (أن خلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك) . فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون المحبب المبجل الجليل، و هو ابن أمه و أبيه، و وزيره في الدعوة إلى مصطفيه، فوصاه و أمره، و ليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة، قال اللّه تعالى: وَ لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا أي في الوقت الذى أمر بالمجي ء فيه وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ أي كلمه اللّه من وراء حجاب إلا أنه أسمعه الخطاب فناداه و ناجاه و قربه و أدناه، و هذا مقام رفيع و معقل منيع و منصب شريف و منزل منيف، فصلوات اللّه عليه تترى و سلامه عليه في الدنيا و الأخرى، و لما أعطي هذه المنزلة العلية، و المرتبة السنية، و سمع الخطاب سأل رفع الحجاب، فقال للعظيم الذى لا تدركه الأبصار القوى البرهان: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك و تعالى، لأن الجبل الذي هو أقوى و أكبر ذاتا و أشد ثباتا من الإنسان لا يثبت عند التجلي من الرحمن، و لهذا قال: وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي.
و في الكتب المتقدمة أن اللّه تعالى قال له: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات،