فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 200

اللّه موسى عليه السلام من ذلك العمود الغمام الذي هو نور، و يخاطبه و يناجيه و يأمره و ينهاه، و هو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبيين، فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه اللّه عز و جل إليه من الأوامر و النواهي، و إذا تحاكموا إليه في شي ء ليس عنده من اللّه فيه شي ء يجي ء إلى قبة الزمان و يقف عند التابوت و يصمد لما بين ذينك الكروبيين، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة، و قد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم، أعني استعمال الذهب و الحرير المصبغ و اللئالئ في معبدهم و عند مصلاهم، فأما في شريعتنا فلا، بل قد نهينا عن زخرفة المساجد و تزيينها لئلا تشغل المصلين، كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما وسع في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم للذي و كله على عمارته: ابن للناس ما يكنهم، و إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. و قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود و النصارى كنائسهم. و هذا من باب التشريف و التكريم و التنزيه، فهذه الأمة غير مشابهة من كان قبلهم من الأمم، إذ جمع اللّه همهم في صلاتهم على التوجه إليه و الإقبال عليه، و صان أبصارهم و خواطرهم عن الاشتغال و التفكر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة، فللّه الحمد و المنة.

و قد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه يصلون إليها، و هي قبلتهم و كعبتهم، و إمامهم كليم اللّه موسى عليه السلام، و مقدم القربان أخوه هارون عليه السلام، فلما مات هارون ثم موسى عليهما السلام استمرت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان، و هو فيهم إلى الآن، و قام بأعباء النبوة بعد موسى و تدبير الأمر بعده، فتاه يوشع بن نون عليه السلام، و هو الذي دخل بهم بيت المقدس، كما سيأتي بيانه، و المقصود هنا: أنه لما استقرت يده على البيت المقدس نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس، فكانوا يصلون إليها، فلما بادت صلوا إلى محلتها و هي الصخرة، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و قد صلى إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قبل الهجرة، و كان يجعل الكعبة بين يديه، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس، فصلى إليها ستة عشر، و قيل: سبعة عشر شهرا، ثم حولت القبلة إلى الكعبة، و هي قبلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر، و قيل: الظهر، كما بسطنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى:* سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت