فدخل، فخاض القوم في ذلك، فقالوا: من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب و لا عذاب؟ فقال: بعضهم لعلهم الذين صحبوا النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و قال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام و لم يشركوا باللّه شيئا قط، و ذكروا أشياء، فخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فقال:
(ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه؟) فأخبروه بمقالتهم، فقال: (هم الذين لا يكتوون، و لا يسترقون، و لا يتطيرون، و على ربهم يتوكلون) ، فقام عكاشة بن محيصن الأسدي، فقال: أنا منهم يا رسول اللّه؟ قال: (أنت منهم) ، ثم قام آخر، فقال: أنا منهم يا رسول اللّه؟ فقال: (سبقك بها عكاشة) . و هذا الحديث له طرق كثيرة جدا و هو في الصحاح و الحسان و غيرها.
و قد ذكر اللّه تعالى موسى عليه السلام في القرآن كثيرا و أثنى عليه، و أورد قصته في كتابه العزيز مرارا، و كررها كثيرا، مطولة و مبسوطة و مختصرة، و أثنى عليه بليغا، و كثيرا ما يقرنه اللّه و يذكره، و يذكر كتابه مع محمد صلّى اللّه عليه و سلم و كتابه، كما قال في سورة البقرة: وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) ، و قال تعالى:
الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4) ، و قال تعالى في سورة الأنعام:
وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْ ءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيرًا وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) .. فأثنى تعالى على التوراة، ثم مدح القرآن العظيم مدحا عظيما، و قال تعالى في آخرها: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى
الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ