و قد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة: فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم. و عن كعب الأحبار كانوا اثنين و سبعين نفسا، و قيل: كانوا عشرة، و قيل: إنما كانوا نوحا و بنيه الثلاثة، و كنائنه الأربع بامرأة يام الذى انخزل و انعزل و تسلل عن طريق النجاة، فما عدل إذ عدل، و هذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية، بل هى نص في أنه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به، كما قال: وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) ، و قيل: كانوا سبعة، و أما امرأة نوح و هي أم أولاده كلهم، و هم: حام، و سام، و يافث، و يام، و تسميه أهل الكتاب كنعان و هو الذي قد غرق و عابر، و قد ماتت قبل الطوفان، قيل: إنها غرقت مع من غرق، و كانت ممن سبق عليه القول لكفرها، و عند أهل الكتاب: أنها كانت في السفينة، فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك، أو أنها أنظرت ليوم القيامة، و الظاهر الأول لقوله: لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا (26) .
قال اللّه تعالى في سورة المؤمنون: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) ، أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة، فنجاه بها، و فتح بينه و بين قومه، و أقر عينه ممن خالفه و كذبه، كما قال تعالى: وَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَ الْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
(13) وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
(14) ، و هكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الأمور أن يكون على الخير و البركة، و أن تكون عاقبتها محمودة، كما قال تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه و سلم حين هاجر: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (80) ، و قد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية: وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) ، أي على اسم اللّه ابتداء سيرها و انتهاؤه إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، أي و ذو عقاب أليم مع كونه غفورا رحيما، لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، كما أحل بأهل الأرض الذين كفروا به و عبدوا غيره.