الربوبيّة يستعمل فيه الأداة (مَن) ، وقد علّلها بعض العلماء [1] ؛ لدلالة العموم مع الإيجاز، كقوله تعالى: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء 29] .
فمن الافتراض المحال، قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء 22] .
فقد دلّت الآية على الافتراض [2] . وقد جاء التعبير الافتراضيّ مستعملًا الأداة (لو) الدالّة على الامتناع، ومنها سمّيت هذه الطريقة من الافتراض (دليل التمانع) [3] . وهو من الطرق التي بنى عليها المتكلّمون مسألة التوحيد (( وتقرير ذلك أنّه لو كان مع الله سبحانه إله آخر لكانا قديمين، والقدم من أخصّ الصفات، فالإشراك فيه يوجب التماثل فيجب أنْ يكونا قادرين عالمين حيين، ومن حقّ كلّ قادرين أنْ يصحّ كون أحدهما مريدًا لضد ما يريده الآخر من إماتة وإحياء أو تحريك وتسكين أو إفقار وإغناء ونحو ذلك، فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو إمّا أنْ يحصل مرادهما وذلك محال، وإمّا أنْ لا يحصل مرادهما فينتقض كونهما قادرين، وإمّا أنْ يقع مراد إحدهما ولا يقع مراد الآخر فينتقض كون مَن لم يقع مراده من غير وجهِ منعِ معقولِ قادرًا، فإذًا لا يجوز أنْ يكون الإله إلاّ واحدًا ) ) [4] .
ويلحظ أنّ التعبير الافتراضيّ قد استعمل (إلاّ) الاستثنائيّة، وهي هنا (( بمعنى غير على أنّها صفة لآلهة ولا مساغ للاستثناء لاستحالة شمول ما قبلها لما بعدها وإفضائه إلى فساد المعنى لدلالته حينئذٍ على أنّ الفساد لكونهما فيهما بدونه تعالى ) ) [5] . والفساد في قوله (لفسدتا) معناه: ... (( خروج الشيء من الاعتدال، قليلًا كان الخروج عنه أو كثيرًا ... ويستعمل ذلك في النفس،
(1) ينظر: التحرير والتنوير 17/ 39.
(2) ينظر: مجمع البيان 7/ 121، ومفاتيح الغيب 22/ 127، والبحر المحيط 7/ 419،وإرشاد العقل السليم 6/ 61، وروح المعاني 17/ 32 ــ 35، والميزان 14/ 286، والتحرير والتنوير 17/ 31.
(3) ينظر: مجمع البيان 7/ 127.
(4) المصدر نفسه 7/ 121.
(5) إرشاد العقل السليم 6/ 61، وينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل / 88، وتفسير شبّر / 323.