إلاّ وهو موجود، ولا يكون الشيء موجودًا إلاّ وهو مأمور بالوجود. فالقضاء الإلهيّ لا يقدر بزمن أي لا يوجد وقت بين الأمر والكينونة أو بين الأمر والفناء، إذ إنّه مجرّد افتراض ذهنيّ فقط ليس له حقيقة موضوعيّة [1] .
ومن الأمثلة الافتراضيّة التي تفترض الزمان في القرآن الكريم، قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ 71} قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص 71 ــ 72] .
فقد جاءت الآية الكريمة مبيّنة لعظم القدرة الإلهيّة، التي تعجز دونها كلّ قدرة، ولا يبقى أمام مشيئته مستحيل، فافترضت لهؤلاء الكفّار استمراريّة ودوام الليل دون نهار يعقبه، ثُمّ عكست الأمر، بنهار دائم دون ليل ٍ يتلوه. فالآية الكريمة تبين أنّ الله (( سبحانه هو الجاعل* الأشياء على الحقيقة، وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرمدًا إلى يوم القيامة صار الليل كأنّه سرمد بهذا التقدير، وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر لا سيّما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذي تنفذ فيه الأبصار إلى غيره، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة، فصار النهار كأنّه معدوم، إذ جُعل سرمدًا منسوبًا إليه سبحانه، فاقتضت البلاغة أنْ يقول(أفلا تسمعون) لمناسبة ما بين السماع والظرف الليليّ الذي يصلح للاستماع ولا يصلح للإبصار )) [2] . ويلحظ أنّ هذا الافتراض لأمر مستقبليّ وكان استعمال (إذا) أولى من استعمال (إنْ) ، (( وإيثار أداة الشرط(إنْ) على (إذا) ؛ لأنّ المشروط فرضي تخييلي غير كائن في وقت من الأوقات )) [3] .
إنّ هذا التصوير لليل السرمديّ أو النهار السرمديّ، هو تصوير افتراضيّ، أي (( لو فرض تحقّق جعل الليل سرمدًا إلى يوم القيامة لم يتصوّر معه الإتيان بضياء أصلًا لأنّ الذي يأتي به إمّا
(1) ينظر الزمن بين العلم والقرآن.
* في البرهان في علوم القرآن وردت (الجاهل) . وقد تحقّقت من طبعة ثانية بتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، الطبعة الأولى 1408 هـ -1988 م.
(2) البرهان في علوم القرآن 1/ 71، وينظر التعبير القرآنيّ / 225.
(3) التفسير البلاغي للإستفهام في القرآن الحكيم 3/ 210.