ولم يقل: آتاني الله )) [1] ، وكأنّه هو الواجد لنفسه والرادّ لها، وما ذلك إلاّ لعتوّه في الغرور والمكابرة. كما أنّه عبّر بالفعل (رُددت) ولم يقل (رُجعت) ،وذلك؛ لأنّ معنى الرجع (( أنْ ترجعه من غير كراهة له ... ولا يجوز أنْ تردّه إلاّ إذا كرهت حاله ) ) [2] . وأكّد افتراض ردّه في يوم القيامة، وما أعدّ له في تلك الساعة باللام ونون التوكيد في قوله (لأجدنّ) الواقع جوابًا للقسم المؤكّد. وقوله (خيرًا منها) ، أي: خيرًا من جنّته في الدنيا [3] . و قوله (منقلبًا) ، من (( قلب الشيء: تصريفه وصرفه عن وجه إلى وجه ) ) [4] . وهي هنا بمعنى أنْ تكون (( مرجعًا وعاقبةً لفناء الأولى وبقاء الأخرى على زعمك ) ) [5] .
ومن ذلك قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ ... سَنَةٍ} [المعارج 4] .
فالآية الكريمة جاءت على سبيل الافتراض [6] . والتعبير الافتراضيّ مفهوم من سياق الآية ودلالة المقابلة بين قوله (في يوم) ، وقوله (كان مقداره خمسين ألف سنة) ، فقد فسّر العلماء هذه المقابلة بأنّ معنى الآية (( تعرج الملائكة والروح إلى عرشه تعالى، ويقطعون في يوم من أيّامكم ما يقطعه الإنسان في خمسين ألف سنة لو فرض سيره فيه ) ) [7] . ولعلّ في تنكير قوله (يوم) دلالة على التفخيم والتعجيب. وقوله (مقداره) ، أي (( مقدار الشيء للشيء المقدّر له، وبه وقتًا كان أو زمانًا أو غيرهما ) ) [8] . وفي التقدير لطول هذا اليوم بهذا المقدار (( بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج
(1) الميزان 13/ 133.
(2) الفروق اللغويّة 130.
(3) ينظر: إرشاد العقل السليم 5/ 222، وروح المعاني 15/ 348.
(4) مفردات ألفاظ القرآن / 681 (قلب) .
(5) روح المعاني 15/ 348.
(6) ينظر: إرشاد العقل السليم 9/ 30، وروح المعاني 29/ 92.
(7) روح المعاني 29/ 92، وينظر: إرشاد العقل السليم 9/ 30.
(8) مفردات ألفاظ القرآن / 660 (قدر) .