الصفحة 120 من 227

وبعد مداها على سبيل التمثيل والتخييل، والمراد أنّها في غاية البعد )) [1] . وقد جمعت الآية بين طول اليوم بأحداثه ومرائيه مع طوله في حسّ المحاسبين فيه، وهو يبين العلو الشاهق الذي تصعد فيه الملائكة إلى ذي العرش الرفيع [2] . ولعلّ بين معنى الافتراض ومعنى التقدير الشيء الكثير من التقارب، فالتقدير لهذه المسافة، هو متصوّر غير واقع، وليس هناك إنسان عاش أو يعيش خمسين ألف سنة يقضيها في السيرمن دون أنْ يقتطع منها ما يقوّم حياته به من مأكل ومشرب وراحة متمثّلة بالنوم.

ومن أمثلة الافتراض الزماني، قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود 107] .

فقد جاءت الآية الكريمة واصفةً الخلود الأبديّ للكافر يوم القيامة، رابطة ذلك الخلود ببقاء السماوات والأرض ليستثني الله تعالى بعد ذلك ما كان الأمر فيه متوقّفًا على المشيئة الإلهيّة، فالاستثناء (( مبنيّ على الفرض والتقدير فمعنى إلاّ ما شاء: إنْ شاء، أي: لو فرض أنّ الله تعالى شاء إخراجهم من النار أو الجنّة في زمان لكان مستثنىً من مدّة خلودهم لكنّ ذلك لا يقع لدلالة القواطع على عدم وقوعه ) ) [3] . والتعليق للخلود في الجنة والنار، الذي جعله الله تعالى مرتبطًا بدوام السماوات والأرض، معلّق أيضًا على (( الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين. وكلّ قرار وكلّ سُنّة معلّقة بمشيئة الله في النهاية، فمشيئة الله هي التي اقتضت السُنّة وليست مقيّدة بها ولا محصورة فيها. إنّما هي طليقة تبدّل هذه السُنة حين يشاء الله ... وزاد السياق في حالة الذين سعدوا ما يطمئنهم إلى أنّ مشيئة الله اقتضت أنْ يكون عطاؤه لهم غير مقطوع حتّى على فرض تبديل إقامتهم في الجنّة. وهو مطلق فرض يذكر لتقرير حريّة المشيئة بعدما يوهم التقييد ) ) [4] . وقد وجّه ابن قُتيبة هذه الآية أكثر من توجيه، فقال رادًا قولهم: (( استثناؤه المشيئة من الخلود يدلّ على

(1) روح المعاني 29/ 92، وينظر: إرشاد العقل السليم 9/ 30.

(2) ينظر: مشاهد القيامة في القرآن، سيد قطب / 217.

(3) روح المعاني 12/ 468.

(4) في ظلال القرآن 4/ 1929.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت