الصفحة 121 من 227

الزوال، وإلاّ فلا معنى للاستثناء )) [1] . فقد ذكر في قوله (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك) أنّ للعرب في معنى (الأبد) ألفاظًا يستعملونها في كلامهم، يقولون: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السماوات والأرض، في أشباه لهذا كثيرة، يريدون لا أفعله أبدًا؛ لأنّ هذه المعاني عندهم لا تتغير عن أحوالها أبدًا، فخاطبهم الله بما يستعملونه. وللسماء وللأرض وقت يتغيّران فيه عن هيأتهما يقول الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم 48] . أراد أنّهم خالدون فيها مدّة العالم، سوى ما شاء الله أنْ يزيدهم من الخلود على مدّة العالم. ثُمّ قال: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود 108] أي: غير مقطوع. و (إلاّ) في هذا الموضع بمعنى (سوى) ومثله من الكلام: لأسكننّ في هذه الدار حولًا إلاّ ما شئت. تريد: سوى ما شئت أنْ أزيد على الحول. هذا وجه. وفيه قول آخر: وهو أنْ يجعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد. على ما تعرف العرب وتستعمل وإنْ كانتا قد تتغيّران، وتستثنى المشيئة من دوامهما، فكأنّه قال: خالدين في الجنّة وخالدين في النار دوام السماء والأرض إلاّ ما شاء ربّك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك. وفيه وجه ثالث: وهو أنْ يكون الاستثناء من الخلود مُكث أهل الذنوب من المسلمين في النار حتّى تلحقهم رحمة الله، وشفاعة رسوله [2] .

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام 28] .

فقد وردت الآية على سبيل الافتراض [3] . وهذا التعبير الافتراضيّ يصف طبع الكفّار وما جُبلوا عليه، فهم يطلبون الردّ للدنيا لكي يكونوا مؤمنين، وذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام 27] ، وهؤلاء الكفّار (( لو عادوا إلى الدنيا لزمهم حكم النشأة، وأسدلت عليهم حجب الغيب، ورجعوا إلى اختيارهم، ومعه هوى النفس ووسوسة الشيطان وقرائح العباد والاستكبار والطغيان فعادوا إلى

(1) تأويل مشكل القرآن / 26.

(2) ينظر: تأويل مشكل القرآن / 53.

(3) ينظر: الميزان 7/ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت