ومن ذلك قوله تعالى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ... [آل عمران 154] .
فقد جاءت الآية الكريمة معطيةً معنى الافتراض [1] . وقد جاء الافتراض مبدوءًا بفعل ال (قل) ، وفيه دلالة كون الكلام موحًى من الله تعالى لنبيّه ردًّا على قولهم في بداية الآية، وهو قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران 154] . وجاء التعبير الافتراضيّ بالأداة (لو) الدالّة على الشرط، وجاء الفعل بعدها ماضيًا دلالة على عدم تحقّقه، والمعنى في قوله (في بيوتكم) وهو افتراض لوجود هؤلاء القائلين في بيوتهم فالبيت أكثر الأماكن أمانًا للإنسان من الخطر. والتعبير في قوله (لبرز الذين كُتب عليهم القتل) ، فمعنى (برز) من (( المبارزة للقتال، وهي الظهور من ... الصفّ ) ) [2] . ولعلّ قوله (القتل) بدل الموت فيه دلالة على تخصيصه بالمعركة الدائرة لا لأسباب الموت الأخرى. وأمّا قوله (إلى مضاجعهم) فيحتمل الحقيقة والمجاز، إذ (( المضاجع جمع مضجع، فإنْ كان بمعنى المرقد فهو استعارة للمصرع، وإنْ كان بمعنى محلّ امتداد البدن مطلقًا للحيّ والميّت فهو حقيقة ) ) [3] .
ونحو ذلك قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء 78] .
جاءت الآية الكريمة ردًّا على فريق من المسلمين، وكانوا قد تقاعسوا عن الخروج للقتال، وطلبوا تأجيل القتال لهم مُدّة من الزمن، خوفًا من الموت. فكانت هذه الآية داحضة لطلبهم، ومفنّدة لأهوائهم. إذ هي تهوّل أمر الموت وإطالته لمَن قد كتبه الله عليه، فلا ينفعه اللجوء إلى
(1) ينظر: إرشاد العقل السليم 2/ 102، وروح المعاني 4/ 422.
(2) مفردات ألفاظ القرآن / 118 (برز) .
(3) روح المعاني 4/ 421.