قوله (فأنّى يبصرون) بيانًا لحالهم بعدما فقدوا البصر وهم في حيرة و تيه، أي: (( فكيف يبصرون ذلك الطريق وجهة السلوك والمقصود إنكار إبصارهم ) ) [1] .
ونحو ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد 37] .
فتعبير الآية الكريمة ورد على سبيل الافتراض [2] ، وجاء الافتراض على سبيل التمثيل، وقد ورد التعبير الافتراضيّ في الآية بالأداة (لو) ، وجاءت الجملة بعدها اسميّة مؤكّدة بـ (أنّ) ويلحظ أنّ (قرآنًا) ورد بالتنكير، أي: قرآنًا ما، والمراد به المعنى اللغويّ [3] .
وقوله (سُيّرت) ، و (قُطّعت) ، و (كُلّم) الذي ورد على وزن (فُعّل) بالتشديد فيه دلالة على التكثير [4] . ولعلّ في بناء الفعل للمجهول في الأفعال الثلاثة دلالة على أنّ الكفّار لا يؤمنون بالمُحدِث الحقيقيّ للفعل، بل جُلّ اهتمامهم بالفاعل السببيّ وهو القرآن، ولذا يلحظ (( تقديم المجرور في المواضع الثلاثة على المرفوع ... قصد الإبهام ثُمّ التفسير لزيادة التقرير لأنّ بتقديم ما حقّه التأخير تبقى النفس مستشرفة ومترقبة إلى المؤخّر أنّه ماذا فيتمكّن عند وروده عليها فضل تمكّن ) ) [5] . والباء جاءت سببيّة في قوله (به) في المواضع الثلاثة [6] . وفي العطف بـ (أو) في الموضعين في الآية لمنع الخلّو لا لمنع الجمع بين جميع هذه الخوارق [7] . وجواب الشرط في الآية
(1) روح المعاني 23/ 61.
(2) ينظر: روح المعاني 13/ 194، والميزان 11/ 156، والتحرير والتنوير 12/ 186.
(3) ينظر: روح المعاني 13/ 193.
(4) ينظر: شذا العرف في فن الصرف / 23.
(5) إرشاد العقل السليم 5/ 22، وينظر: روح المعاني 13/ 194.
(6) ينظر: روح المعاني 13/ 194.
(7) ينظر: إرشاد العقل السليم 5/ 22.