الصفحة 150 من 227

وعرّفه آخرون بقولهم: (( وهو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته، وهو من مخادعات الأقوال. حيث يُسمع الحقّ على وجه لا يزيد غضبه المخاطب ) ) [1] . ومثلوا لذلك بقوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ 24 - 25] .

ومن أمثلة الآيات الافتراضيّة التي جاءت ودلالتها الاستدراج، قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ... [البقرة 137] .

فقد جاء الفرض [2] في الآية الكريمة استئنافًا للكلام في الآية السابقة، وهو قوله تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ... [البقرة 136] ، فجاءت هذه الآية مفترضةً إيمانهم، (( والكلام من باب الاستدراج وإرخاء العنان مع الخصم ... والخصم إذا نظر بعين الإنصاف في هذا الكلام وتفكّر علم أنّ الحقّ ما عليه المسلمون لا غير، إذ لا مثل لما آمنوا به، وهو ذاته تعالى وكتبه المنزّلة على أنبيائه ولا دين كدينهم ) ) [3] .

وقد جاء التعبير الافتراضيّ، باستعمال (إنْ) الدالّة على الشكّ، وقد دخلت على الفعل الماضي (آمنوا) ولعلّ في ذلك إيحاءً لهم بتعجيل الإيمان، وفي قوله (بمثل) وصف يدلّ على أنْ يكون الدين الذي آمنوا به (( دينًا آخر مثل دينكم مساويًا له في الصحّة والسداد ) ) [4] . ورأى

(1) فنون التصوير البيا ني، توفيق الفيل /309ـــ 310، وينظر: أساليب البيان في القرآن، جعفر الحسينيّ /779ـــ 780.

(2) ينظر: الكشّا ف 1/ 194، وروح المعاني 1/ 539.

(3) روح المعاني 1/ 593.

(4) الكشّا ف 1/ 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت