الطبا طبائيّ أنّ (( الإتيان بلفظ المثل مع كون أصل المعنى: فإنْ آمنوا بما آمنتم به، لقطع عرق الخصام والجدال ... [أي] لو قيل لهم: إنّا آمنّا بما لا يشتمل إلاّ على الحقّ، فآمِنوا أنتم بما يشتمل على الحقّ مثله، لم يجدوا طريقًا للمراء والمكابرة ) ) [1] . وجاء جواب الشرط مؤكّدًا بـ (قد) التحقيقيّة (فقد اهتدوا) لاستدراجهم إلى طريق الإيمان والهداية. ثُمّ استأنف الكلام على طريقة التقسيم بقوله (وإنْ تولّوا) ، أي أعرضوا ولم يؤمنوا [2] ، وجاء جواب الشرط مؤكّدًا بالقصر مستعملًا (إنّما) أوّلًا ثُمّ جاء التوكيد بالجملة الاسميّة (هم في شقاقٍ) . وقوله (شقاق) ، معناه ... (( المخالفة، وكونك في شقٍّ غير شقّ صاحبك، أو مَن: شقّ العصا بينك وبينه ) ) [3] . ولعلّ في تنكير كلمة (شقاق) دلالة امتناع الوفاق بينهم؛ إذ أنّ (( التنوين للتفخيم، أي هم مستقرّون في خلافٍ عظيم بعيد عن الحقّ، وهذا لدفع ما يتوهّم من احتمال الوفاق بسبب إيمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون ) ) [4] . وجاء قوله (فسيكفيكهم) بالصيغة الفعليّة الدالّة على الحدوث والتجدّد، وهو ما يتناسب مع نصر الله تعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - كلّما أعدّوا الحيل والمكائد له، وفيه دلالة الوعد [5] من الله تعالى لنبيّه بالنصرة، وقوله (وهو السميع العليم) بصيغة الاسميّة الدالّة على الثبوت، وفيه دلالة الوعيد [6] ، فإنّ الله تعالى يسمع كلامهم ويعلم بأفعالهم، فلا يغيب عنه شيء منها. وقوله (فسيكفيكهم) ، كلمة يلحظ أنّها خفيفة على اللسان على كثرة حروفها [7] ، ولعلّ سبب خفّتها أنّها (( ثلاثة مقاطع وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها ) ) [8] . ويبدو أنّ فيه البرهان على نصرة الأنبياء [9] .
(1) الميزان 1/ 137.
(2) ينظر: الكشّا ف 1/ 194.
(3) مفردات ألفاظ القرآن /459ــ 460 (شقّ) .
(4) إرشاد العقل السليم 1/ 167، وينظر: روح المعاني 1/ 540.
(5) ينظر: الكشّاف 1/ 194، روح المعاني 1/ 540.
(6) ينظر: الكشّاف 1/ 194، روح المعاني 1/ 540.
(7) ينظر: الطراز /55.
(8) إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة، مصطفى صادق الرافعيّ /172.
(9) ينظر: الصوت اللغويّ ودلالاته في القرآن الكريم، محمد فريد عبدالله / 206.