ونحو ذلك قوله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران 80] .
فالتعبير في هذه الآية (( موضوع على الفرض والتقدير، فالمعنى أنّكم على تقدير إجابتكم هذا البشر الذي أوتي الكتاب والحكم والنبوّة تكونون مسلمين لله متحلّين بحلية الإسلام مصبوغين بصبغته، فكيف يمكنه أنْ يأمركم بالكفر ويضلّكم عن السبيل الذي هداكم إليه بإذن الله ... سبحانه ) ) [1] . فالآية خطاب للكفّار ولأهل الكتاب (( ووجه كون الخطاب للكفّار، وأنّ الآية نزلت فيهم بأنّه يجوز انْ يقال لأهل الكتاب(أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) أي منقادون مستعدّون للدين الحقّ إرخاءً للعنان واستدراجًا )) [2] لهم.
وقد جاء التعبير الافتراضيّ في الآية الكريمة مسبوقًا بالجملة المنفيّة (ولا يأمركم انْ تتّخذوا الملائكة والنبيّين أربابًا) ، وفي دخول (لا) النافيّة على الفعل المضارع دلالة على عدم حصول الفعل في الماضي وهو مستمرّ إلى زمن الحال والاستقبال، فالنفي بـ (لا) شائع (( في الاستعمال سيّما عند طول العهد وتخلّل الفصل ) ) [3] . وفي قوله (تتّخذوا) ، وهو من أفعال التحويل [4] ، أي إنّهم لم يكونوا أربابًا ثُمّ كانوا، وفي هذا دلالة على عدم صحّة الادعاء بالألوهيّة لكونها محدثة، والألوهيّة صفة ملازمة لصاحبها. وفي تعريف (الملائكة) و (النبيّين) دلالة على أنّ المقصود بذلك ملائكة بعينهم، وأنبياء بأسمائهم، وقد جُمع (النبيّين) جمع مذكّر سالم، وهو جمع قلّة ولعلّ في ذلك دلالة على أنّ مَن نسبت إليه الربوبيّة عدد قليل منهم.
(1) الميزان 3/ 123.
(2) روح المعاني 3/ 275.
(3) روح المعاني 3/ 574.
(4) ينظر: شرح ابن عقيل 2/ 41.