ورأى الطبا طبائيّ أنّ التعبير قد استعمل (أربابًا) بدلًا من (آلهة) ، لكون استعمال لفظ الآلهة عندما تكون الدعوة لمَن يطلب العبادة لذاته، أمّا استعمال (الربّ) فعند الدعوة لعبادة غيره، فقال: (( كان الكلام مسوقًا للتعريض بالنصارى في عبادتهم لعيسى، وقوله بألوهيّته صريحًا مسندين ذلك إلى دعوته كان ذلك نسبة منهم إليه أنّه قال: كونوا عبادًا لي* بخلاف اتّخاذ الملائكة والنبيّين أربابًا بالمعنى الذي قيل في غير عيسى، فإنّه يضاد الألوهيّة بلازمه لا بصريحه، فلذلك قيل: أربابًا، ولم يقل: آلهةً ) ) [1] . ولعلّ في تنكير (أربابًا) دلالة على التجهيل للمتّخِذ، والتقليل من شأن المتّخَذ. ثُمّ يأتي الافتراض بالهمزة الاستفهاميّة الدالّة على الإنكار [2] ، والمتبوعة بالفعل المضارع (يأمركم) ولعلّه هنا دلّ على عدم حصول الفعل في الزمن الماضي وامتداده حتّى زمن التكلّم. ولعلّ في التركيب (بعد إذ) دلالة على التحوّل والصيرورة والحال، ثُمّ في التعبير بالجملة الاسميّة (انتم مسلمون) دلالة كونهم بهذه الصفة ثابتين عليها.
ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام 76] .
فقد جاء التعبير الافتراضيّ مكرّرًا في هذه الآية وفي الآيتين التاليتين لها، وهما قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الانعام 77ــ78] ، فقوله (هذا ربّي) ، الذي ورد مكرّرًا (( استئناف مبنيّ على سؤال نشأ من الكلام السابق، وهذا منه] أي إبراهيم[عليه السلام على سبيل الفرض وإرخاء العنان مجاراةً مع
(1) * يشير الطباطبائيّ إلى الآية السابقة لهذه الآية وهي قوله تعالى: {ما كان لبشرٍ أنْ يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثُمّ يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله ولكنْ كونوا ربّا نيّين بما كنتم تُعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران 79] .
الميزان 3/ 123.
(2) ينظر: روح المعاني 3/ 275.