أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، فإنّ المستدلّ على فساد قول يحكيه ثُمّ يكرّ عليه بالإبطال، وهذا هو الحقّ الحقيق بالقبول )) [1] . فالدلالة التي أرادها النبيّ إبراهيم - عليه السلام - هو أنْ يُظهر لهم أنّه يدين بما يدينون من اعتقاد حتّى ينكشف لهم ما انكشف له من غياب ما عبدوا (( ولعلّ في سلوك هذه الطريقة في بيان استحالة ربوبيّة الكواكب دون بيان استحالة إلهيّة الأصنام، لمّا أنّ هذا أخفى بطلانًا واستحالةً من الأوّل، فلو صدع بالحقّ من أوّل الأمر كما فعله في حقّ عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد، ولجّوا في طغيانهم يعمهون ) ) [2] .
وقد جاء التعبير في الآية واصفًا حوار إبراهيم - عليه السلام - مع قومه فيبدأ الوصف بقوله (فلمّا جنّ عليه الليل) ، فـ (جنّ) (( بمعنى ستر الشيء عن الحاسّة يقال: جنّه الليل، وأجنّه، وجنّ عليه: فجنّه ستره، وأجنّه جعل له ما يجنّه ) ) [3] . ونقل الرازيّ أنّ (( جنّ عليه الليل إذا أظلم عليه ... الليل ) ) [4] . وأضاف الطباطبائيّ أنّ معنى جنّه (( إسداله الظلام لا مجرّد ما يحصل بغروب الشمس ) ) [5] . وتنكير (كوكبًا) (( إنّما هو لنُكتة راجعة إلى مرحلة الإخبار والتحدّث فلا غرض في الكلام يتعلّق بتعيين هذا الكوكب، وأنّه أي كوكبٍ كان من السيّارات أو الثوابت؛ لأنّ الذي أخذه في الحجاج يجري في أي كوكب من الكواكب يطلع ويغرب لا أنّ إبراهيم - عليه السلام - أشار إلى كوكب من الكواكب من غير أنْ يمتاز بأيّ مميّز مفروض، أمّا أوّلًا فلأنّ اللفظ لا يساعده فلا يقال لِمَن أشار إلى كوكب بين كواكب لا تحصى كثرةً، فقال: هذا ربّي: أنّه رأى كوكبًا قال: هذا ربّي، وأمّا ثانيًا فلأنّ ظاهر الآيات أنّه كان هناك قوم يعبدون الكوكب الذي اشار إليه وقال فيه ما قال، والصابئون ما كانوا يعبدون أي كوكب ولا يحترمون إلا السيّارات ) ) [6] . ولعلّ في تنكير (كوكبًا)
(1) روح المعاني 7/ 258، وينظر: إرشاد العقل السليم 3/ 153، والميزان 7/ 83ـــ 85،والتحرير ... والتنوير 6/ 177.
(2) إرشاد العقل السليم 2/ 405.
(3) مفردات ألفاظ القرآن / 203 (جنّ) .
(4) مفاتيح الغيب 13/ 39.
(5) الميزان 7/ 82.
(6) الميزان 7/ 83.