الصفحة 155 من 227

ـــ مع كثرة الكواكب في السماء ـــ احتجاجًا من النبيّ إبراهيم - عليه السلام - عليهم بفساد معتقدهم، فلماذا يخصّون هذا الكوكب دون غيره بالعبادة. وفي قوله (هذا ربّي) بإضافته إلى ياء المتكلّم استدراج لقومه بأنه يدين بمعتقدهم، سواءً كان بالجملة الخبريّة أم الطلبيّة التي حُذف فيها حرف الاستفهام الهمزة. ومعنى قوله (أفل) أي غاب، ولا تستعمل أفل إلاّ في الشمس والقمر والنجوم [1] . وقوله (لا أحبّ الآفلين) حيث إنّ إبراهيم - عليه السلام - بعدما أوهمهم بأنّه سائر على معتقدهم، فلمّا تحقّق له ما يلزمهم به من الحجّة، أظهر لهم فساد معتقدهم بهذا القول الذي ينفي فيه حبّه لعبادة الأرباب المنتقلين من مكانٍ لآخر [2] . ولعلّ في الآية تقديرًا لمحذوف، تقديره: لا أحبّ عبادة الآفلين. والجملة الفعليّة مع أنّ الفعل فيها هي المضارعة، إلاّ أنّ دلالتها الإخبار عن الحال الدائم في الماضي والحاضر والمستقبل.

ورأى الزركشيّ أنّ قوله (فلمّا أفل قال لا أحبّ الآفلين) ، للدلالة على إلجام الخصم بالحجّة، أي (( القمر أفل، وربّي فليس بآفل، فالقمر ليس بربّي، أثبته بقياس اقترانيّ جليّ من الشكل الثاني، وأحتجّ بالتعبير على الحدوث والحدوث على المحدِث ) ) [3] .

ونحو ذلك قوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود 88] .

فقد جاء التعبير الافتراضيّ مبتدئًا بكلام للنبيّ شُعيب - عليه السلام -، (( وهو تحذير لهم على فرض احتمال أنْ يكون صادقًا، أي فالحزم أنْ تأخذوا بهذا الاحتمال، أو فالحزم أنْ تنظروا في كُنه ما نهيتكم عنه لتعلموا أنّه لصلاحكم ) ) [4] . فالنبيّ شُعيب - عليه السلام - يطالب قومه بعدم الاستعجال في الكفر والتكذيب بل يطلب منهم التأمل والتفكّر في صدق كلامه وإرادته الرشاد لهم (( والجواب عليه

(1) ينظر: الفروق اللغويّة /337.

(2) ينظر: إرشاد العقل السليم 3/ 153.

(3) البرهان في علوم القرآن 3/ 287، وينظر: المصدر نفسه 3/ 286.

(4) التحريروالتنوير 11/ 314.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت