من باب إرخاء العنان والكلام المنصف كأنّه - عليه السلام - قال: صدقتم فيما قلتم: إنّي لم أزل مرشدًا لكم حليمًا فيما بينكم لكنْ ما جئت به ليس غير الرشاد والنصيحة لكم، إنظروا بعين الإنصاف وأنتم ألبّاء إنْ كنت على حجّة واضحة ويقين من ربّي وكنت نبيًّا على الحقيقة، أيصحّ لكم ــ وأنا مُرشدكم والناصح لكم ـــ أنْ لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكفّ عن المعاصي، والأنبياء لا يُبعثون إلاّ لذلك )) [1] .
وقد جاء التعبير في الآية مبدوءًا بقوله (يا قومي) وفي إضافة يا المتكلّم وانتسابه إليهم دلالة التحبّب لهم، وصدق القول والنصيحة، وقوله (أرايتم) أي: أخبروني، ثُمّ جاء بالافتراض ... بـ (إنْ) الشرطيّة الدالّة على الأمر المشكوك فيه مسايرةً لهم وإرخاءً للعنان معهم. وقوله (على بيّنةٍ) فيبدو أنّ دلالة (على) هنا للمصاحبة [2] ، أي مصحوبًا بالحجّة الباهرة، وفي الإضافة إلى ياء المتكلّم في قوله (ربّي) بيان لمالك الأمر [3] . ثُمّ أكّد استحقاقه للربوبيّة بقوله (ورزقني منه رزقًا حسنًا) ، فقد أكّد كلامه بالجار والمجرور (منه) ، وبالمفعول المطلق (رزقًا) ثُمّ وصف الرزق بـ (حسنًا) . وجواب الشرط محذوف (( والتقدير: ماذا يسعكم في تكذيبي أو ماذا ينجيكم من عاقبة تكذيبي ) ) [4] . ولعلّ في حذف الجواب إعطاء المخاطب فرصته للتأمل والتفكير في صدق كلام المتكلّم، وما يترتّب على صدقه من جزاء. ثُمّ عقّب على ذلك بالاحتجاج عليهم (وما أريد أنْ أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) ، أي (( ما أقصد بخلافكم إلى إرتكاب ما أنهاكم عنه ) ) [5] ، ليؤكّد صدق كلامه بعد ذلك بجملتين استعمل فيهما أسلوب القصر، وهما (إنْ أريد إلاّ الإصلاح) ، و (وما توفيقي إلاّ بالله) . حيث أشار إليهم في الجملة الأولى إلى أنّ غايته من الدعوة لهم طلب الإصلاح لهم وجلب ما فيه المنفعة لهم، وفي ذلك استمالة لهم والتخفيف من معارضتهم، ثُمّ استدرجهم بعد ذلك رابطًا الجملة الأولى بالثانية، ومعلّلًا إلى أنّ دعوته ما كانت ولا تحقّق فيها
(1) روح المعاني 12/ 435.
(2) ينظر: مغني اللبيب 1/ 163 ـــ 165،والجنى الداني / 476 ـــ 478.
(3) ينظر: إرشاد العقل السليم 4/ 233.
(4) التحرير والتنوير 11/ 314.
(5) روح المعاني 12/ 437.