الجرجانيّ، بقوله: (( تقرير الدليل لإثبات المدلول سواءٌ كان ذلك من الأثر إلى المؤثر، فيسمّى استدلالًا أنّيًّا أو بالعكس ويسمّى استدلالًا لميًّا أو من أحد الأثرين إلى الآخر ) ) [1] .
ومن أمثلة الآيات الافتراضيّة الدالّة على إلجام الخصم بالحجّة، قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء 17] .
فتعبير الآية (( فرض جدليّ لتقرير حقيقة مجرّدة هي أنّ كلّ ما يتعلّق بذات الله سبحانه قديم لا حادث وباقٍ غير فانٍ، فلو أراد سبحانه أنْ يتّخذ لهوًا لما كان هذا اللهو حادثًا ولا كان مُتعلّقًا بحادث كالسماء والأرض وما بينهما فكلّها حوادث إنّما كان يكون ذاتيًّا من لدنْه سبحانه. فيكون أزليًّا باقيًا؛ لأنّه يتعلّق بالذات الأزليّة الباقية إنّما الناموس المقرّر والسنّة المطّردة أنْ لا يكون هناك لهو ) ) [2] .
وقد جاء التعبير في الآية بالطريقة المباشرة بالأداة (لو) المتبوعة بالفعل الماضي (أردنا) ليدلّ على عدم التحقّق، والضمير (نا) في قوله (أردنا) للتعظيم، وقوله تعالى (لهوًا) ولعلّها جاءت نكرةً لتدلّ دلالة عامّة على كلّ ما يُتلهّى به، وقد جاء في تعريف اللهو: (( هو الشيء الذي يلذّذ به الإنسان فيلهيه ثُمّ ينقضي ) ) [3] . وقد جاءت هذه الآية؛ تعليلًا [4] لما جاء في الآية السابقة لها وهو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء 16] . فجاء الردّ نافيًا أنْ يكون خلق الموجودات لغرض اللهو، ولم يقل (لو أردنا أنْ نتّخذ لعبًا) . ونجد أبا هلال العسكريّ يُفرّق بين اللهو واللعب، فيرى (( أنّه لا لهو إلاّ لعب، وقد يكون لعب ليس بلهو، لأنّ اللعب يكون للتأديب كاللعب بالشطرنج وغيره، ولا يقال لذلك: لهو، وإنّما اللهو لعب لا يعقب
(1) التعريفات / 16.
(2) في ظلال القرآن 4/ 2372، وينظر: الميزان 14/ 238، والتحرير والتنوير 17/ 25.
(3) التعريفات / 159.
(4) ينظر: الميزان 14/ 283.