الصفحة 164 من 227

ورأى الزمخشريّ أنّ أسلوب النهي يفيد معنى (التهييج والإلهاب) ، وخاصّة في الخطابات الموجّهة للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال في قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} [القلم 8] : (( تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوه على أنْ يعبد الله مُدّة وآلهتهم مُدّة ويكفّوا عنه غوائلهم ) ) [1] .

ويبدو أنّ التهييج والإلهاب يفيد كثيرًا في الدلالة على الحال [2] ، كقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة 23] ، وقوله تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة 111] . وكثر في القرآن الكريم النهي عن الكون على صفةٍ من الصفات، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ} [القصص 86] ، وقوله تعالى: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام 35] . ويبدو أنّ دلالة (( النهي عن الكون أبلغ من النهي عن تلك الصفة، فقولك(لا تكنْ ظالمًا) أبلغ من قولك (لا تظلم) ؛ لأنّ (لا تظلم) نهي عن التلبّس بالظلم، وقولك (لاتكن ظالمًا) نهي عن الكون بهذه الصفة، والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن تلك الصفة )) [3] .

ومن الآيات الافتراضيّة التي تعطي دلالة على التهييج والإلهاب، قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [يونس 94] .

فقد جاء التعبير في الآية مخاطبًا النبيّ - عليه السلام - (( إنْ كنت في ذلك على سبيل الفرض والتقدير؛ لأنّ الشكّ لا يُتصوّر منه عليه الصلاة والسلام لإنكشاف الغطاء له ) ) [4] . ورأى كثير من المفسّرين أنّ معنى الآية (( على طريقة التهييج والإلهاب، كقوله: فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ

(1) الكشا ف 4/ 574، وينظر: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين / 486 ــــ 489.

(2) ينظر: أسلوب الشرط والقسم من خلال القرآن الكريم / 48.

(3) أساليب المعاني في القرآن، جعفر الحسينيّ / 110 ـــ 115.

(4) روح المعاني 11/ 251، وينظر: الكشّا ف 2/ 357، ومفاتيح الغيب 17/ 299 ـــ 302،وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 3/ 123 ـــ 124، والبحر المحيط 6/ 106، وإرشاد العقل السليم 4/ 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت