الصفحة 18 من 227

وتأسيسيّة بعلية العلم وحركة الفكر هو الافتراض، فهو يدخل في صميم الدراسات التي تهتمّ باشكاليّة العلم ومنهجيّته وموضوعه )) [1] .

وقد لوحظ أنّ الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم في مادة (فرض) [2] ومشتقّاتها قد أريد بها المعنى اللغويّ، فليس هناك لفظة (فرض) أو (افترض) في القرآن الكريم تدلّ على الافتراض بمعنى التصوّر العقليّ أو الذهنيّ لوقوع أو وجود شيء وبناء نتيجة على هذا الوقوع أو الوجود. كما لم ترد لفظة (فرض) أو (افترض) إلاّ بما يدلّ على الوجوب والإلزام في الحديث الشريف [3] . كما لم تورد المعاجم اللغويّة معنًى لغويًّا للافتراض بمعناه العقليّ التصوّريّ.

والافتراض أسلوب معتاد في كتابات أكثر العلماء حينما يعرضون لقضايا، هي محور جدل أو شك، فيفترض المتحدّث أمرًا يجرّ به المتلقّي إلى حقيقة تلك المسألة التي يعرض لها ويتحدّث عنها، وكأنّ المتلقّي هو الذي يصل إلى نتيجة هذا الأمر المفترض، وحينئذٍ يحسم الجدل وينتهي الشك. واللافت للنظر أنّ عددًا من العلماء قد استعملوا هذه اللفظة في أثناء حديثهم بدلالتها الاصطلاحيّة، فابن جنّي [ت 392 هـ] قد استعملها، وذلك في قوله: (( فإذا كان كذلك علمت أنّ غرض القوم فيه ليس ما قدّرته ولا ما تصوّرته؛ وإنّما هو أنّ قبلها ياء وبعدها كسرة، وهما مستثقلتان. فأمّا أنْ تُماسّا الواو وتباشراها على ما فرضته وادّعيته فلا ) ) [4] . أو قوله: (( وذلك قولك: إذا فرضت أنّ سبعة في خمسة أربعون فكم يجب أنْ يكون على هذا ثمانية في ثلاثة ) ) [5] .

وقد استعملها ابن سنان الخفاجيّ [ت466 هـ] بهذا المعنى، فقال: (( وإذا كنّا قد بيّنا التسمّح فيما ذكرناه فوجه العذر فيه أنّه لو أمكن فرضاّ وتقديرًا أنْ ينطق بحرف واحد لم يكن كلامًا وإنْ كان الصحيح أنّ ذاك غير ممكن لما بيّناه ) ) [6] .

(1) نظرية العلم في القرآن، ومدخل جديد للتفسير، غالب حسن / 66.

(2) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن (فرض) ، محمد فؤاد عبد الباقي.

(3) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف (فرض) .

(4) الخصائص، ابن جنّي 2/ 328.

(5) الخصائص 3/ 332.

(6) سر الفصاحة، ابن سنان الخفاجيّ / 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت