الصفحة 191 من 227

الاختلاس [1] . وجاء قوله (كلّما أضاء لهم مشوا فيه) وصفًا لحال المنافقين مع الإسلام عند وجود الغنيمة، فهم كمثل مَن يسير في طريق بليل شديد الظلمة فـ (كلّما) أضاء البرق أي: برق. وعبّر عنه بـ (أضاء) دون (نوّر) ؛ لأنّ (( الضوء ما انتشر من الأجسام النيّرة ) ) [2] . أي: كلّما وجدوا غنيمة أظهروا إيمانهم، وجاء قوله (مشوا) ؛ (( للإشارة إلى ضعف قواهم لمزيد خوفهم ودهشتهم لم يأتِ سبحانه بما يدلّ على السرعة ) ) [3] . وأمّا قوله (وإذا أظلم عليهم قاموا) ، ففاعل أظلم عائد على البرق، ومعنى أظلم (( أي خفي البرق واستتر، والمظلم وإنْ كان غيره لكنْ لمّا كان الإظلام دائر على استتاره أسند إليه مجازًا تحقيقًا لمّا أريد من المبالغة في موجبات ... تخبطهم ) ) [4] . وقوله (قاموا) بمعنى: وقفوا في أماكنهم مُتحيّرين مُترصّدين لإضاءة أخرى للبرق، وقد استعملت (كلّما) مع الإضاءة، وهي تعني: كلّ وقت و (إذا) مع الظلام؛ بيانًا لحرصهم على المشي وانتظارهم لما يُصحّحه، فكلّما وجدوا فرصةً انتهزوها، وفيه من الدلالة على كمال الحيرة واستبداد الفزع في قلوبهم [5] . ويأتي الافتراض - بعد هذه المقدّمات في وصف حالهم - بالأداة (لو) الدالّة على الشرط والامتناع، والمتبوعة بفعل المشيئة الماضي، ومفعوله محذوف يدلّ عليه جواب الشرط، وتقديره (( ولو أراد الله إذهاب سمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق لذهب ) ) [6] . ولعلّ في تقديم السمع على الأبصار دلالة ًعلى أنّ السمع متحقّق في حال الضوء والظلمة في حين أنّ الإبصار لا يتحقّق إلاّ بوجود الضوء. ويلحظ أنّ فعل المشيئة المفترض أسنِد إلى الله تعالى، وكذلك فعل الذهاب بالسمع والبصر. وفي ذلك ما فيه من بيان قدرة الله تعالى.

(1) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن /286 (خطف) .

(2) المصدر نفسه /514 (ضوأ) .

(3) روح المعاني 1/ 238.

(4) إرشاد العقل السليم 1/ 55.

(5) ينظر: إرشاد العقل السليم 1/ 55.

(6) روح المعاني 1/ 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت