الصفحة 192 من 227

ونحو ذلك قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة 23] .

فقد جاء التعبير الافتراضيّ [1] مبدوءًا بـ (إنْ) الشرطيّة التي تدلّ على الشك، وقد دخلت هنا لغير الشك؛ (( لأنّ الله تعالى علم أنّهم مرتابون ولكنْ هذا على عادة العرب في خطابهم ... وإنّما خاطبهم الله تعالى على عادتهم في الخطاب ) ) [2] . فالإتيان بـ (إنْ) (( للتوبيخ على الارتياب وتصوير أنّه ممّا لا ينبغي أنْ يثبت إلاّ على سبيل الفرض ) ) [3] . ومعنى الريب (( أنْ تتوهّم بالشيء أمرًا ما فينكشف عمّا تتوهّمه ) ) [4] ، وقد ورد نكرة ً؛ للإشعار بأنّ من حقّه - إنْ كان حاصلًا - أنْ يكون ضعيفًا لوضوح ما يدفعه ووجود ما يزيله [5] . وفي قوله (نزّلنا) (( إيثار التنزيل المنبئ عن التدريج على مطلق الإنزال لتذكير منشأ ارتيابهم وبناء التحدّي عليه إرخاءً للعنان وتوسيعًا للميدان، فإنّهم اتّخذوا نزوله منجّما ًوسيلة إلى إنكاره فجعل ذلك من مبادئ الاعتراف به كأنّه قيل: إنْ ارتبتم في شأن ما نزّلناه على مهل وتدريج فهاتوا أنتم مثل نوبة فذّة من نوبه ونجم من نجومه، فإنّه أيسر عليكم من أنْ ينزل جملةً واحدةً ويتحدّى بالكلّ، وهذا ... غاية ما يكون في التبكيت وإزاحة ... العلل ) ) [6] . وجيء بـ (على) في قوله (على عبدنا) إشارة إلى استعلاء الموحي على المُوحى عليه وتمكّنه منه. وقوله (عبدنا) فيه التفخيم للمُنزِّل أو المُنزّل عليه، لا سيّما وقد أوتي بـ (نا) ــ المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر ـــ؛ لأنّ ذلك العبد هو محمّد عليه الصلاة والسلام [7] . وجاء قوله (فأتوا) بصيغة الأمر للدلالة على تعجيزهم. وقوله (بسورةٍ من مثله) فسورة القرآن

(1) ينظر: روح المعاني 1/ 260، والتحرير والتنوير 1/ 330.

(2) مجمع البيان 1/ 144، وينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 223.

(3) روح المعاني 1/ 260.

(4) مفردات ألفاظ القرآن / 368 (ريب) .

(5) ينظر: روح المعاني 1/ 260.

(6) إرشاد العقل السليم1/ 64

(7) ينظر: روح المعاني 1/ 261.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت