فقد جاءت الآية الكريمة على سبيل الافتراض [1] ؛ لغرض (( المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه ... وذلك أنّه علّق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المُعلّق بها محالًا مثلها ) ) [2] . وقد جاء التعبير الافتراضيّ مبدوءًا بقوله (قل) الدالّ على التلقين، واستعمل أداة الشرط (إنْ) بدل (لو) (( لجعل ما في حيّزها بمنزلة ما لا قطع بعدمه على طريق المساهلة وإرخاء العنان للتبكيت والإفحام ) ) [3] . ومعنى قوله (كان) : صحّ، وهو أحد استعمالاتها [4] . ولعلّ في تقديم الخبر شبه الجملة (للرحمن) على الاسم (ولد) قصد التخصيص والاهتمام. وجاء جواب الشرط مُصدّرًا بالفاء، والجواب جملة اسميّة، ولعلّ في ذلك دلالة على الإنصاف حيث إنّ دلالة الاسميّة على الثبوت والدوام لا التجدّد والحدوث، وفي الآية يكون لدلالة المُداومة على العبادة للولد وعدم الانقطاع عنها إنْ ثبت كونه موجودًا. وقوله (أوّل العابدين) فقد عبّر باسم التفضيل (أوّل) (( والمراد إظهار الرغبة والمسارعة ) ) [5] ، وهذا منتهى الإنصاف لهم حيث يعلن مسايرته لهم إنْ صحّ زعمهم. وقوله (العابدين) فهي إمّا على المعنى الشائع من العبادة، أو أنْ يكون معناها (( الآنفين من عبادته لأنّ مَن كان له ولد لا يكون إلاّ جسمًا، ومَن كان كذلك لا يستحقّ العبادة لأنّه لا يقدر على النعم التي يستحقّ بها العبادة ) ) [6] . وذكر الأخفش معنًى آخر لـ (العابدين) ، فرأى أنّ معنى الآية يكون (( أنا أوّل مَن يغضب من ادّعائكم لله ولدًا ) ) [7] ،أي: عبد بمعنى: غضِب.
(1) ينظر: الكشّا ف 4/ 258، ومفاتيح الغيب 27/ 645 ــ 649، والبحر المحيط 9/ 390، وتفسير شبّر / 495، والتحرير والتنوير 25/ 296 ـــ 298.
(2) الكشّا ف 4/ 258 ـــ 259.
(3) روح المعاني 25/ 144.
(4) ينظر: روح المعاني 25/ 144.
(5) روح المعاني 25/ 144.
(6) مجمع البيان 9/ 142، وينظر: روح المعاني 25/ 145، والميزان 17/ 227.
(7) معاني القرآن، الأخفش / 88.