ونحو ذلك قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات 7] .
فقد أعطت الآية الدلالة على معنى الافتراض [1] . وقد بدأ التعبير في الآية بقوله (واعلموا) الفعل الأمريّ ويبدو أنّ فيه دلالة التنبيه والتذكير، ثُمّ أكّد كلامه بقوله (أنّ فيكم رسول الله) المؤكّد بـ (أنّ) ، وقدّم خبر أنّ (فيكم) على اسمها (رسول) دلالة على الحصر (( المستتبع زيادة ... التوبيخ ) ) [2] . وجاء الافتراض بـ (لو) في قوله (لو يطيعكم في كثير من الأمر) ، وهي متبوعةً بالفعل المضارع؛ كي (( يدلّ أنّهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة ) ) [3] ، ورأى أبو السعود - وهو الأصوب فيما يبدو من سياق الآية - أنّ صيغة المضارع (( للدلالة على أنّ امتناع عنتهم لاستمرار امتناع طاعته ) ) [4] . والطاعة أي: الائتمار لما أمر [5] . ولأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هو المتبوع والمسلمين هم التابعون، فقد (( سمّى موافقته لما يريدونه طاعة لهم مجازًا ) ) [6] . وقوله (لعنتّم) جواب شرط (لو) وقد جاء بصيغة الماضي ولعل ّ ذلك للدلالة على عدم التحقّق، وهو من عنت أي (( وقع في أمر يخاف منه التلف ) ) [7] .ورأى الآلوسيّ في التعبير الافتراضيّ مبالغات عدّة، هي: (( إيثار(لو) ليدّل على الفرض والتقدير، وأنّ ما بدر من التزيين كان من حقّه أنْ يفرض كما يفرض الممتنعات، والثاني: ما في العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه وتهجينه مع التوبيخ بإرادة استمرار ما حقّه أنْ يكون مفروضًا فضلًا عن الوقوع، والثالث: ما في العنت من الدلالة على أشدّ المحذور، فإنّه الكسر بعد الجبر والرمز الخفي على أنّه ليس بأوّل بادرة، والرابع
(1) ينظر: روح المعاني 26/ 417.
(2) روح المعاني 26/ 417.
(3) مفاتيح الغيب 28/ 105.
(4) إرشاد العقل السليم 8/ 119.
(5) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن /529 (طوع) .
(6) مجمع البيان 9/ 325.
(7) مفردات ألفاظ القرآن /589 (عنت) .