وأمّا في اللغة فقد كان الافتراض أحد الوسائل التي أنضجت الدراسات اللغويّة، وفي مجال النحو والصرف على وجه الخصوص، ورأى بعض المحدثين أنّ (( الافتراض أسلوب فقهي معروف ... وقد أفاد منه النحاة منذ زمن مبكّر ... في نحو الحضرميّ وأبي عمرو وعيسى ويونس، غير أنّ الخليل أكثر منه ) ) [1] .
فمن الشواهد التي يُلمح فيها الافتراض عند الحضرميّ [ت 117 هـ] ، ما نقله ابن جنّي، حين ذكر، أنّه (( حضر الفرزدق [ت 110 هـ] مجلس ابن أبي إسحاق، فقال له: كيف تنشد هذا البيت:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فقال الفرزدق: كذا أنشد. فقال ابن أبي إسحاق: ما كان عليك لو قلت: فعولين!. فقال الفرزدق: لو شئت أنْ تسبّح لسبّحت، ونهض. فلم يعرف أحد في المجلس ما أراد بقوله: لو شئت أنْ تسبّح لسبّحت، أي: لو نصب أخبر أنّ الله خلقهما وأخبرهما أنْ تفعلا ذلك، وإنّما أراد: أنّهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر )) [2] . فعبد الله الحضرميّ أراد المعنى واختلاف الإعراب في البيت، فإذا أراد الشاعر بقوله: إنّ الله قال للعينين: كونا فكانتا، وأنّهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر وجب الرفع؛ لأنّ الفعل (كان) حينئذٍ يكون تامًا؛ لأنّه يعني الوجود، ولأنّ (فعولان) تكون صفة للعينين وإنْ أراد أنّ الله هو الذي أمرهما أنْ تفعلا بالألباب ما تفعل الخمر فلا بدّ حينئذٍ من النصب؛ لأنّ كان عملت في (فعولين) [3] . فالحضرميّ يحمّل النص أكثر ممّا أراد الشاعر منه ... (( وهذا ضرب من التأويل والافتراض، ظهر بظهوره في تأريخ النحو العربيّ ) ) [4] .
أمّا عند عيسى بن عمر [ت 149 هـ] ، فقد كان يضع افتراضات لبعض المسائل في النحو ويحاول أنْ يوجد التخريج النحويّ المناسب لها، فهو مثلًا يفترض أنّك سمّيت رجلًا بالفعل ...
(1) المفصّل في تأريخ النحو 1/ 296.
(2) الخصائص 3/ 305.
(3) ينظر: الخصائص 3/ 305.
(4) المفصّل في تأريخ النحو 1/ 150.