الصفحة 27 من 227

علّق على ذلك قائلًا: (( وهذا أبلغ ما يكون في الحجاج، وهو الأصل الذي عليه الاعتماد في صحّة التوحيد؛ لأنّه لو كان إله آخر لبطل الخلق بالتمانع بوجودهما دون أفعالهما ) ) [1] .

وتبع الزركشيُّ [ت 794 هـ] الرمانيَّ في ذلك، وسمّاه (إخراج الكلام مخرج الشك في اللفظ دون الحقيقة لضرب من المسامحة وحسم العناد) ، ومثّل له بقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سبأ 24] ، وعلّق عليه بقوله: (( وهو يعلم أنّه على الهدى، وأنّهم على الضلال، ولكنّه أخرج الكلام مخرج الشك تقاضيًا ومسامحةً، ولاشك عنده ولا ارتياب ) ) [2] . وجعل منه قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف 81] .

وجاء ابن سنان الخفاجيّ بمصطلح (الاستدلال بالتعليل) ، ومثّل له بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء 22] ، ثم علّق عليه بقوله: (( فهذا مبلغ ما نقوله في المعاني ممّا يستدلّ به على غيره؛ لأنّ حصرهما ممّا لا سبيل إليه ) ) [3] .

أمّا ابن الأثير فيسمّي هذا اللون من التعبير (الاستدراج) ، وفيه يقول: (( وهذا الباب أنا استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو من مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، والكلام فيه وإنْ تضمّن بلاغة فليس الغرض ههنا ذكر بلاغته فقط بل الغرض ذكر ما تضمّنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، وإذا حقّق النظر فيه علم أنّ مدار البلاغة كلّها عليه لأنّه انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة والمعاني اللطيفة الدقيقة دون أنْ تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها ) ) [4] . ثمّ مثّل له بقوله تعالى، الذي قيل بفرضيّته [5] : {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ ... مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [المؤمن 28] . وعلّق عليه بقوله (( ألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطفه

(1) النكت في إعجاز القرآن /107 - 109.

(2) البرهان في علوم القرآن 2/ 253.

(3) سر الفصاحة / 208.

(4) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر 2/ 64.

(5) ينظر: الكشاف 4/ 158، والبحر المحيط 7/ 443، وفي ظلال القرآن 5/ 3079.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت