الصفحة 28 من 227

فإنّه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو هذا الرجل من أنْ يكون كاذبًا فكذبه يعود عليه ولا يتعدّاه أو يكون صادقًا [وإنْ يك صادقًا] فيصبكم بعض الذي يعدكم إنْ تعرّضتم له )) [1] .

أمّا مصطلح (التسليم) فيظهر عند ابن أبي الإصبع المصريّ، ويعرّفه بأنّه (( هو أنْ يفرض المتكلّم فرضًا محالًا إمّا منفيًّا أو مشروطًا بحرف الامتناع ليكون ما ذكره ممتنع الوقوع لامتناع وقوع شرطه، ثمّ يسلّم وقوع ذلك تسليمًا جدليًّا، ويدلّ على عدم فائدة ذلك على تقدير وقوعه ) ) [2] ، وأخذه عنه السيوطيّ مع تغيير طفيف [3] . ويمثّلان لذلك بقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون 91] . ويعلّق ابن أبي الإصبع على الآية قائلًا: (( خلاصة معنى هذا الكلام أنْ ليس مع الله من إله، وكأنّ قائل ذلك قال:(ولو سلّمنا أنّ معه - سبحانه - إلهًا للزم من ذلك التسليم ذهاب كلّ إله من الاثنين بما خلق وعلوّ بعضهم على بعض فلا يتمّ في العالم أمر، ولا ينفذ حكم ولا تنتظم أحواله، والواقع خلاف ذلك، ففرض إلهين فصاعدًا محال لما يلزم منه ... المحال ) ) [4] .

ويورد محمّد بن عليّ الجرجانيّ [ت 729 هـ] مصطلح (المحاجّة) ، ويعرّفها بقوله: ... (( وهي ادّعاء شيء مع الحجّة عليه، وهي كثيرة في القرآن ) ) [5] . ومثّل لذلك بآيات كريمة، منها قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء 22] ، وعلّق عليها بقوله: (( وهي مقدّمة شرطيّة، والاستثنائيّة هي نقيض التالي، أي: لكن لم تفسد السماوات والأرض تنتج: ليس فيهما إله غير الله. وبيان الملازمة ما ذكره المتكلّمون وسمّوه برهان التمانع ) ) [6] .

(1) المثل السائر 2/ 64.

(2) بديع القرآن / 378.

(3) ينظر: الاتقان في علوم القرآن 2/ 266.

(4) بديع القرآن / 378.

(5) الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة، محمد بن علي الجرجانيّ / 222.

(6) الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة / 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت