الصفحة 30 من 227

أمّا مصطلح (التبعيد) فقد قال به القاضي عبد الجبّار، وعدّه نوعًا من البديع، وذكر له أمثلة كثيرة من القرآن، عُدّ معظمها من باب المبالغة عند البلاغيين، منها قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف 81] ، وعلّق عليه بقوله: (( ويحتمل أنْ يريد بذلك تبعيد أنْ يكون له ولد لأنّ عبادته تمنع من ذلك ) ) [1] . فالقاضي- كما يذكر بعض الدارسين - قد انفرد (( بمصطلح التبعيد وأطلقه على هذا النمط من الأسلوب مخالفًا لكثير من البلاغيين الذين أدخلوه في المبالغة، والواضح أنّ القاضي تنبّه إلى أنّ الأسلوب يركّز على شيء واحد هو الاستحالة أو التبعيد، فأطلق الاسم المناسب عليه ) ) [2] . وقد استعمل القاضي عبد الجبّار هذا الأسلوب لأغراض ترتبط بالعقيدة وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن كلّ ما لا يليق أنْ يوصف به، ومن أهمّ الأشياء التي نزّه القاضي الله سبحانه وتعالى عن الوصف بها: إرادة الله تعالى للكفر، وجواز رؤيته، وجواز أنْ يكون له ولد. فجاء التبعيد عنده لخدمة النص القرآني وتنزيه الله سبحانه عن كلّ ما لا يجوز عليه [3] .

أمّا المحدثون، كأحمد الهاشميّ فيأتي على ذكر (المذهب الكلاميّ) ويضعه مع المحسّنات المعنويّة، ويعرّفه بقوله: (( هو أنْ يورد المتكلّم على صحّة دعواه حجّة قاطعة مسلّمة عند المخاطب، بأنْ تكون المقدّمات بعد تسليمها مستلزمة للمطلوب، كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء 22] ، واللازم وهو الفساد باطل، فكذا الملزوم وهو تعدّد الآلهة باطل، وليس أدلّ على ذلك من الحقيقة والواقع ... وسمّي هذا النوع بالمذهب الكلاميّ لأنّه جاء على طريقة علم الكلام والتوحيد، وهو عبارة عن اثبات أصول الدين بالبراهين العقليّة القاطعة ) ) [4] .

(1) تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عبد الجبار / 381. نقلًا عن: أثر المتكلّمين في تطوّر الدرس البلاغي، القاضي عبد الجبّار إنموذجًا، محمد مصطفى أبو شوارب وأحمد محمود المصريّ / 228 - 229.

(2) أثر المتكلّمين في تطوّر الدرس البلاغي / 228 - 229.

(3) ينظر: المصدر نفسه / 229 - 231.

(4) جواهر البلاغة، أحمد الهاشميّ / 317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت