الدالّة على المشكوك في وقوعه، وفي قوله (في شكّ) للدلالة على (( شك ما يسير ) ) [1] ،أي أنّ الشك لم يكن إنكاريًّا، بل شك موصل لليقين، وفي قوله (ممّا أنزلنا) تعظيم للشيء المنزَّل، ففيه توكيد على النزول من السماء ثُمّ إسناد الفعل للضمير (نا) المعظِّمة للذات الإلهية، وفي قوله (إليك) تخصيص للنبيّ باصطفائه من دون غيره للنبوّة. ودلالة الفاء والفعل (فاسأل) على عدم تحقّق الفعل بعدُ، وإنّما هو للاستقبال، وفي تعريف (الكتاب) إشارة إلى كتاب ٍ متعارف عليه بينهم، والمقصود به ما أنزل على موسى وعيسى ـــ عليهما السلام ـــ من توراة وإنجيل، ليأتيَ قوله تعالى (لقد جاءك الحقّ من ربّك فلا تكوننّ من الممترين) ليؤكّد بأكثر من توكيد أنّ ما انزل هو الحقّ، فيجب أنْ لا يبقى أي شك فيه، فقد أكّد الكلام باللام، وقد، وتعريف (الحقّ) ،وفي إسناد كلمة (ربّ) إلى كاف الخطاب، ونون التوكيد [2] في قوله (تكوننّ) .لذا فإنّ هذا الشرط الافتراضيّ بالحرف (إنْ) (( لا يستلزم وجود ريبٍ في قلب النبيّ ـــصلّى الله عليه وآله وسلم ـــــ، ولا تحقّق شكّ منه، فإنّ هذا النوع من الخطاب كما يصحّ أنْ يخاطب من يجوز عليه الريب والشكّ كذلك يصحّ أنْ يخاطب به مَن هو على يقين من القول وبيّنة من الأمر على نحو من التكنية عن كون المعنى الذي أخبر به المخبِر ممّا تعاضدت عليه الحجج وتجمّعت عليه الآيات، فإنْ فرض من المخاطب أو السامع شكّ في واحدةٍ منها كان له أنْ يأخذ بالأخرى ) ) [3] .
ونحو هذا من التعبير الافتراضيّ نجده في حوار مؤمن آل فرعون مع قومه، في قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر 28] .
فقد ارتبطت بعض طرق الجدل والمحاججة بالسبر والتقسيم، حيث يقوم المحاجج بتتبع كلّ الاحتمالات الممكنة في مناقشة القضيّة التي يدور حولها الجدل، فيفرض كلّ وجه يمكن أنْ تتبادر
(1) روح المعاني 11/ 251.
(2) ينظر: التعبير القرآنيّ/133.
(3) الميزان 10/ 230.