الصفحة 53 من 227

إلى الذهن إمكانيّته. وهذا ما يلحظ في الحوار الذي دار بين مؤمن آل فرعون حين حاجج قومه في قضيّة تصديقهم أو تكذيبهم لموسى - عليه السلام -،فجدله (( استدراج لهم إلى الاعتراف به وليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم ... ثُمّ أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم فقال: لا يخلو من أنْ يكون كاذبًا أو صادقًا(فإنْ يك كاذبًا فعليه كذبه) أي يعود عليه كذبه ولا يتخطّاه ضرره (وإنْ يك صادقًا يصبكم بعض) ما يعدكم به إنْ تعرضتم له )) [1] .

إنّ طبيعة الدعوة التي جاء بها موسى - عليه السلام - توجب على المبعوث إليهم اختيارًا واحدًا غير متأرجح، كما أنّها تكون إمّا صادقة أو كاذبة، لذا نجد مؤمن آل فرعون (( يفرض لهم أسوأ الفروض، ويقف معهم موقف المنصف أمام القضيّة تمشّيًا مع أقصى فرض يمكن أنْ يتّخذوه(وإنْ يك كاذبًا فعليه كذبه) وهو يحمل تبعة عمله ويلقى جزاءه ويحتمل جريرته وليس هذا بمسوّغ لهم أنْ يقتلوه على أيّة حال. وهناك الاحتمال الآخر، وهو أنْ يكون صادقًا، فيحسن الاحتياط لهذا الاحتمال، وعدم التعرض لنتائجه (وإنْ يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم) وإصابتهم ببعض الذي يعدهم هو كذلك أقلّ احتمال * في القضيّة، فهو لا يطلب إليهم أكثر منه. وهذا منتهى الإنصاف في الجدل والإفحام )) [2] . فهذا الأسلوب الذي استعمله مؤمن آل فرعون قد أبدى فيه حرصًا وتعاطفًا مع قومه، كما (( هوّن من أهميّة القضيّة من جانب، ثمّ ربطها بمصلحة القوم من جانب ثان ٍ في حال صدق موسى بدعواه، ممّا يجعل القوم - دون أدنى شك - مطمئنّين إلى مشاعره حيالهم ثمّ تدرج ... في تصعيد الموقف من خلال تذكيرهم بالأقوام البائدة ثمّ بشخصيّة يوسف وتشكيكهم برسالته ) ) [3] .

وقد جاء التعبير الافتراضيّ بالأداة (إنْ) الشرطيّة المتبوعة بالفعل الناقص (يك) مخفّفًا بحذف النون منه، ولعلّ في ذلك دلالة على (( الإسراع فإنّ المقام قد يقتضي الإسراع، ولا يقتضي الإطالة في الكلام شأن التحذير والإغراء ) ) [4] . وجاء جواب الشرط الفرضيّ الأوّل بالجملة

(1) الكشّا ف 4/ 158،وينظر: البحر المحيط 9/ 252.

* كذا وردت.

(2) في ظلال القرآن 5/ 3079.

(3) قصص القرآن الكريم دلاليًا وجماليًا، محمود البستانيّ2/ 357.

(4) معاني النحو 1/ 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت