الصفحة 55 من 227

هوظاهر مركّبة من شرط وجزاء، وهي (( قضيّة شرطيّة حقّة من شرطٍ باطل ومن جزاء باطل، لأنّ قولنا: كان للرحمن ولد باطل، وقولنا: أنا أوّل العابدين لذلك الولدباطل أيضًا ) ) [1] .

ورأى ابن كثير [ت 774هـ] أنّ معنى الآية هو أنّه (( لو فُرض هذا لعبدته على ذلك لأنّي عبد من عبيده، مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فُرض كان هذا، ولكنْ هذا ممتنع في حقّه تعالى، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز ) ) [2] .

لقد جاء التعبير في الآية الكريمة مُصدّرًا بـ (قل) الدالّة على التلقين بالجواب، وجيء بـ (إنْ) الدالّة على الشكّ بدل (لو) الدالّة على الامتناع (( وكان مقتضى المقام أنْ يقال: لو كان للرحمن ولد، لاستنزالهم عن رتبة المكابرة إلى مرحلة الانتصاف ) ) [3] . ولعلّ في الإتيان باسم (الرحمن) بدل لفظ الجلالة (الله) لتذكيرهم بأ نّ الرحمة الإلهيّة موجودة لمخلوقاته، فلا يحتاج معها للولد ليكون رحيمًا بهم. ويلحظ أنّ في تنكير (ولد) دلالةً على الجهل له، ولو كان لله ولد لما جهله. ثُمّ جاء بجواب الشرط المصدّر بالفاء، وبعدها ضمير المتكلم (أنا) إظهارًا للإنصاف والمسايرة لهم في زعمهم، و (أوّل) اسم تفضيل جاء به ليُظهر لهم أنّه سيكون أسبقهم إلى عبادة هذا الولد إنْ صحّ زعمهم.

ورأى الطبرسيّ والآلوسيّ والطباطبائيّ أنّ من معاني العابدين، (( الآنفين من عبادته لأنّ مَن كان له ولد لا يكون إلا جسمًا، ومن كان كذلك لا يستحقّ العبادة؛ لأنّه لا يقدر على النعم التي يستحقّ بها ... العبادة ) ) [4] .

ومن أمثلة ذلك أيضًا، قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الأحقاف 8] .

فمن المزاعم التي ادّعاها المشركون لدحض دعوى النبوّة، اتهامهم للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالافتراء على الله تعالى، وأنّ كلامه مختلق على الله أو هو إفك قد ساعده عليه بعض المطّلعين على التوراة

(1) مفاتيح الغيب 27/ 645 - 649.

(2) تفسيرالقرآن العظيم 6/ 228 - 229.

(3) الميزان 17/ 227.

(4) مجمع البيان 9/ 142،وينظر: روح المعاني 25/ 145،و الميزان 17/ 227.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت