والإنجيل، قال جلّ شأنه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًًا} [الفرقان 4] .وجاءت بعض الآيات مسايرةً لهم في ادّعائهم لإرخاء العنان لهم لإيقاعهم في حجّتهم، فمعنى الآية الكريمة (قل إنْ افتريته) الواردة (( على سبيل الفرض: عاجلني الله تعالى لا محالة بعقوبة الافتراء عليه. فلا تقدرون على كفّه عن معاجلتي، ولا تطيقون دفع شيء من عقابه عني، فكيف أفتريه وأتعرّض لعقابه؟ ) ) [1] .
لقد كان هذا الردّ على شبهة الافتراء على الله عزّ وجلّ تلقينًا منه تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولعلّ في هذا التلقين دليلًا على صدق الدعوة، فالله تعالى لايهب علمه لمَن يفتري عليه ويختلق كلامًا من نفسه وينسبه إلى الخالق سبحانه. وجاء التعبير في هذه الآية مبدوءًا بالإضراب الدالّ على ... التوبيخ [2] ، الذي تعطيه الأداة (أم) ، ثُمّ جاء التلقين بالجواب من الله تعالى لنبيّه على هذا الزعم، بقوله (قل) ،وجاء الافتراض مباشرًا بأداة الشرط (إنْ) الدالّة على الأمر المشكوك فيه، وجواب (إنْ) (( محذوف وهو عاجلني، وما ذكر مسبّب عنه أقيم مقامه أو تجوّز به عنه ) ) [3] . وقوله تعالى (فلا تملكون لي) نتيجة لجواب شرط (إنْ) أي: إنْ عاجلني بالعقوبة فلا تملكون لي، وجاء بالفعل المضارع تملكون الدالّ على وصف حالهم في الحال والاستقبال، وقد يكون في التعبير بقوله (شيئًا) دلالة على عجزهم أمام إرادة الله تعالى، فلا تكون لهم قدرة على منع إرادته. وجاء بالضمير (هو) بدلًا عن لفظ الجلالة؛ لكون الضمير المخبر عن الأعلم لا يكون إلا لله تعالى، وفي قوله (بما تُفيضون فيه) ،أي (( بالذي تأخذون فيه من القدح في وحيّ الله تعالى ... واستعمال الإفاضة في الاخذ في الشيء والشروع فيه قولًا كان أو فعلًا مجاز مشهور، واصلها إسالة الماء، يقال: أفاض الماء إذا أساله ) ) [4] .ويبدو أنّ في التعبير بالإفاضة دلالة على كثرة قدحهم بالقرآن والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم.
(1) الكشّا ف 4/ 289،وينظر: مفاتيح الغيب 28/ 8،والبحر المحيط 9/ 434،والجامع لأحكام القرآن، القرطبيّ 16/ 123،وتفسير شبّر /503،وأضواء البيان 7/ 214 ــ 215.
(2) ينظر: إرشاد العقل السليم 8/ 79،وروح المعاني 26/ 229.
(3) روح المعاني 26/ 230.
(4) روح المعاني 26/ 230.