لعلّ من أكثر المضامين التي احتواها الافتراض، مسألة وحدانيّة الله تعالى، ونفي التعدّد للآلهة، لذا يلحظ مقارنة صفات ما يعبدون من دون الله عزّ وجلّ، من أصنامٍ ونجوم وبشر وغيرها، مع ما هو حاصل في واقع الحياة التي يعيشونها، فيظهر لهم كون تلك الصفات محدودةً أو زائلةً، فكانت هذه المقارنات تنتهي إلى نتيجةٍ عقليّةٍ منطقيّة حتميّة في الواقع، هي وحدانيّة الخالق (( وهذه حجّة تامّة في مسألة التوحيد، فنقول القول بوجود إلهين يفضي إلى امتناع المقدور لواحدٍ منهما، وإذا كان كذلك وجب أنْ لايقع البتة، وحينئذٍ يلزم وقوع الفساد قطعًا، أو نقول: لو قدّرنا إلهين، فإمّا أنْ يتفقا أو يختلفا، فإنْ اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما، ومراد لهما، فيلزم وقوعه بهما، وهو محال، وإنْ اختلفا، فإمّا أنْ يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما، أو يقع أحدهما دون الآخر، والكلّ محال، فثبت أنّ الفساد لازم على كلّ هذه التقديرات ) ) [1] .
فبمثل هذه العبارات الكلاميّة ناقش المفسّرون تفسير هذه الآية، ورأوا أنّ افتراض وجود إلهين يفضي إلى اختلاف إرادة أحدهما عن الآخر، وهذا بدوره يؤدي إلى الفساد، وهو غير متحققّ على أرض الواقع [2] . وتسمّى هذه الطريقة في الاستدلال على الوحدانيّة (برهان التمانع) (( ووجه تسميته برهان التمانع أنّ جانب الدلالة فيه على استحالة تعدّد الإله هو فرض أنْ يتمانع الآلهة، أي يمنع بعضهم بعضًا من تنفيذ مراده ) ) [3] .
وقد جاء التعبير الافتراضيّ في الآية بالاداة (لو) المتبوعة بالفعلين الماضيين (كان) ، (لفسدتا) في الشرط وجوابه، ولعلّ في ذلك دلالةً على عدم التحقّق، لكون الماضي قد حصل وانتهى، ولم يحصل الفساد الناتج عن وجود الآلهة المفترضة. ويبدو أنّ في تنكير (آلهة) استخفافًا بها، وإثباتًا لبطلان استحقاقها لأنْ تُعبد مع الله تعالى. وقوله (إلا الله) ،فـ (إلا) بمعنى (غير) قال سيبويه في (( باب ما يكون فيه إلاّ وما بعده وصفًا بمنزلة مثل وغير، وذلك قولك: لو كان معنا رجلٌ إلا زيد لغُلبنا. والدليل على أنّه وصفٌ أنّك لو قلت: لوكان معنا إلا زيد لهلكنا وانت تريد
(1) مفاتيح الغيب 22/ 127،وينظر: مجمع البيان 7/ 121،والبحر المحيط 7/ 419،وإرشاد العقل السليم4/ 330،وروح المعاني 17/ 32ــــ35،والتحرير والتنوير 17/ 31.
(2) ينظر: البحر المحيط 7/ 419،ورشاد العقل السليم 4/ 330،ومعترك الأقران 1/ 349.
(3) التحرير والتنوير 17/ 31.