الصفحة 71 من 227

فسواء أكان هذا الخطاب موجّهًا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أم للأنبياء والرسل عليهم السلام قبله، فإنّ فيه تحذيرًا من الإشراك بالله تعالى، وعبادة من دونه معه، والمعلوم أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام، وكذلك الأنبياء السابقين معصومون من ارتكاب المعصية، منزّهون عن الإشراك بالله- عزّ وجلّ-،فالله تعالى يعلم أنّ رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم، فالكلام إذًا (( على سبيل الفرض، والمحالات يصحّ فرضها ) ) [1] . فالآية ً تحذّر من الارتداد في شأن الإيمان بالله تعالى، حين فرضت المستحيل (( لأنّ فرض إشراك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - غير متوقّع ) ) [2] .

وقد رأى بعض العلماء أنّ (( هذا أدب عن الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم وتهديد لغيره لأنّ الله تعالى قد عصمه من الشرك ومداهنة الكفّا ر، وليس في هذا ما يدلّ على صحّة القول بالإحباط على ما يذهب إليه أهل الوعيد لأنّ المعنى فيه أنّ من أشرك في عبادة الله غيره من الأصنام وغيرها وقعت عبادته على وجه لا يستحقّ عليها الثواب به، ولذلك وصفها بأنّها محبطة ) ) [3] .

والآية الكريمة تحمل في طيّاتها أكثر من توكيد للدلالة على خطر شأن القضيّة المتحدّث عنها، فقد أكّد الكلام باللاّم، وقد، ولام القسم، ونون التوكيد في موضعين من الفعلين (يحبط) ، و (تكون) ،فالآية بالقدر الذي تؤكد الإيمان بالاله الواحد تتوعّد مَن يشرك بالله بإحباط العمل والانتهاء مع زمرة الخاسرين. ويلحظ في التعبير الذي وقع جوابًا لـ (لئنْ) أنّه ورد على سبيل التشخيص *،حينما جعل الأعمال تحبط، إذ الحبوط (( من الحَبَط، وهو أنْ تكثر الدابّة أكلًا حتّى

(1) الكشّاف 4/ 137،وينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 48،و البحر المحيط 9/ 219، وإرشاد العقل السليم 5/ 402،وتفسير شبّر /465،والتفسير الواضح، محمد محمود حجازيّ 2/ 333.

(2) التحرير والتنوير 24/ 127.

(3) مجمع البيان 8/ 612.

* ويعني (( خلع الحياة على المواد الجامدة، والظواهر الطبيعيّة، والإنفعالات الوجدانيّة ) )، التصوير الفنّي، سيد قطب / 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت