والمحاججة مع المسؤول. وهذا ما يلحظ في كلام النبيّ يوسف - عليه السلام - مع السجينين، إذ إنّ ... (( الاستفهام تقريريّ، وقد رتّب الاستدلال بوجه خطابيّ ... إذ فرض لهما إلهًا واحدًا مستفردًا بالإلهيّة ... وفرض لهما آلهةً متفرّقين كلّ إله منهم إنّما يتصرّف في أشياء معيّنة ... ثُمّ فرض لهما مفاضلة بين مجموع الحالين حال الإله المنفرد بالإلهيّة والأحوال المتفرّقة للألهة المتعدّدين ليصل بذلك إلى إقناعهما بأنّ حال المنفرد بالإلهيّة أعظم وأغنى ) ) [1] .
فالاستفهام في الآية جاء السؤال فيه (( على سبيل الفرض والتقدير: والمعنى أنّها إنْ كانت أربابًا فهي خير أم الله الواحد القهّار ) ) [2] .
وجاء التعبير الافتراضيّ في هذه الآية مسبوقًا بالنداء الذي بدأ به النبيّ يوسف - عليه السلام - في قوله (يا صاحبي السجن) (( ولعلّه إنّما ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودّة وتتمحّض النصيحة ليُقبلا عليه ويقبلا مقالته ) ) [3] .
ثُمّ جاء بالاستفهام الذي يحدّد لهم فيه أحد خيارين: الأوّل (أأ رباب متفرّقون) ، فكثرة العدد مع الاختلاف بينهم، وقد جاء معبّرًا عنهم بالتنكير، ويبدو أنّ فيه الدلالة على عدم استحقاقهم للعبادة، ثُمّ جاء بـ (أم) المعادلة بين الاختيارين، ثُمّ قال (الله الواحد القهّار) ، فقد جاء بلفظ الجلالة، وقد وصفه بالصفا ت المناقضة لما قبل (أم) ، فالواحد في مقابل أرباب، والقهّار في مقابل متفرّقون [4] .
وقد جاء الاستفهام لبيان الأفضل للعبد، فاستعمل اسم التفضيل (خير) ، ويحتمل بذلك احتمالين، إمّا أنْ يكون (( على ظاهر المتعارف منه، وهو التفضيل بين مشتركات في صفة. ويجوز أنْ يكون(خير) مستعملًا في معنى الخير عند العقل، أي الرجحان والقبول. والمعنى: اعتقاد وجود أرباب متفرّقين أرجح أم اعتقاد أنّه لا يوجد إلاّ إله واحد )) [5] .
(1) التحرير والتنوير 12/ 64، وينظر: الميزان 11/ 78 ـــــ 79.
(2) مفاتيح الغيب 18/ 457.
(3) روح المعاني 12/ 592.
(4) ينظر: مفاتيح الغيب 18/ 112.
(5) التحرير والتنوير 12/ 65.