الصفحة 80 من 227

ونحو هذا الافتراض الاستفهاميّ، قوله تعالى: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم 12] .

فقد استعملت الهمزة في هذه الآية لاستنكار التشكيك في مصداقيّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في ما رأى عند قيامه بالإسراء والمعراج في السماوات، وجاء هذا التكذيب شكًا منهم في كون النبيّ - عليه السلام -، قد رأى فعلًا بعينيه ما يخبرهم به، أم أنّ هذا الكلام يتصوّره أو أن يكون قد سمعه، لذا كان معنى (( الاستفهام في قوله(أفتمارونه على ما يرى) مستعملًا في الفرض والتقدير، أي: أفستكذّبونه فيما يرى بعينيه كما كذّبتموه فيما بلّغكم عن الله )) [1] .

إنّ الاستفهام في الآية الكريمة ينعى إلى الكفّار مكابرتهم ومجادلتهم حين سألهم عن الشكّ حتّى في الرؤية البصريّة التي وصفها النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، لهم فإذا كنتم تشكّكون في الكلام الملقى إليه، وترون أنّه إفك مفترى أو أساطير الأوّلين فما يكون حالكم فيما رآه بعينه؟، أيكون للشكّ بعد ذلك موضع؟، وفرض الشكّ بعد الرؤية غايته إفحامهم وإلقاء الحجّة عليهم. ويلحظ أنّ الافتراض ورد في هذه الآية معبَّرًا عنه بالهمزة الاستفهاميّة الدالّة على الإنكار، وقوله تعالى (تمارونه) (( وهو المجادلة، واشتقاقه من مرى الناقة إذا مسح ظهرها وضرعها ليخرج لبنها وتدرّ به، فشبّه به الجدال، لأنّ كلًا من المتجادلين يطلب الوقوف على ما عند الآخر ليلزمه الحجّة فكأنّه يستخرج درّه ) ) [2] . وجيء بالفعل المضارع (يرى) إمّا (( استحضارًا للصورة الماضية لما فيها من ... الغرابة ) ) [3] . أو (( إشارةً إلى ما يمكن حدوثه بعد ) ) [4] .

أمْ المنقطعة:

أم، نوعان: متّصلة ومنقطعة، فالمتّصلة تربط ما قبل (أم) بما بعدها، وتسمّى (أم) المعادلة. أمّا المنقطعة فتكون دالّةً على الإضراب والاستفهام معًا، وفي ذلك يقول سيبويه: (( أمّا أم فلا

(1) التحرير والتنوير 27/ 105.

(2) روح المعاني 27/ 71، وينظر: مفردات ألفاظ القرآن / 766.

(3) المصدر نفسه 27/ 72.

(4) البحر المحيط 10/ 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت