(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَبَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)
1.عدم اكتراثهم بسوء حال يعقوب عليه السلام، ومدى ما نزل به من أذى نفسي وجسدي.
2.قسوة قلوبهم باستنكارهم حزن أبيهم على يوسف.
3.يعقوب يقطع الرجاء من أبنائه، ويشكو قسوة أبنائه، وضعفه وقلة حيلته في مواجهة أفعالهم إلى الله.
4.لم يعترفوا لأبيهم بحقيقة فعلتهم مع يوسف، مع علمهم ومعرفتهم ومعايشتهم لحال أبيهم، وما وصلت إليه من سوء.
5.كان يعقوب على يقين من نجاة يوسف، وكذب أبنائه عليه.
هنا تتضح مفارقة عجيبة، توضح الكثير من معالم الشخصية اليهودية الإسرائيلية القديمة الحديثة، فهم يعلمون علم اليقين، أن يوسف ذهب إلى غير رجعة، وأنه قُتل على الأرجح، ولم يعترفوا لأبيهم بحقيقة ما فعلوا، وظلّوا مصرّين على حكاية الذئب، فلا ضمير يؤنبهم، ولا قلب يشعر مع أبيهم. وأبيهم يعلم علم اليقين من ربه، أن يوسف على قيد الحياة، وأنه نبي وسيكون له شأن كبير مستقبلا، إذ كان عالما بتأويل رؤيا يوسف السابقة، وأن أخوته سيسجدون له لعلو منزلته، وهذا ما كان يُصبّره عليه السلام حين قال (فصبر جميل) ، أما ما كان يؤلمه عليه السلام، هو إصرار أبنائه على ما هم عليه واستمرارهم، وعدم التوبة والرجوع إلى الله.
(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ(91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) ... (وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(100) ... (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)
1.هنا يتضح خلق الأنبياء وأدبهم، في يوسف عليه السلام، حيث قابلَ السيئة بالحسنة، ونسب خطيئة أخوته إلى الشيطان.
2.معطيات المعادلة كانت: جمع واجتماع + قرار بالإجماع + تنفيذ بمكر ودهاء = مؤامرة.
3.أخوة يوسف لم يكونوا أنبياء بأي حال من الأحوال.
انظر إلى الآيتين (102 - 103) التي جاءت تعقيبا على قصة يعقوب عليه السلام مع أبنائه، لتقول أن هذا هو حال نبي الله يعقوب مع أبنائه، الذين لم يكونوا على الأقل مؤمنين بنبوة أبيهم، إن لم يكونوا أصلا غير مؤمنين بالله، فما بالك في عدم إيمان قومك بنبوتك ودعوتك، وهم ليسوا بأبنائك، فلا تكن شديد الحرص، على من لا أمل في هدايته بعدما أضلّه الله، ولكن أُدعُ الناس، وفوّض أمر هدايتهم لله، كما فوّض يعقوب عليه السلام، أمره إلى الله فيما كان من شأن أبنائه. أما من يستنكر فكرة أنهم غير أنبياء، والله أعلم بحالهم، فليرجع إلى القرآن وليقرأ قصة نوح عليه السلام مع ابنه، وقصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه، وقصة أبو لهب عم رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ما تقدّم من أمر أخوة يوسف عليه، ليس بحاجة لزيادة أو توضيح أو تعليق، فهذا ما جاء به القرآن الكريم، وكان هذا أول فسادهم وإفسادهم في الأرض، الذي كان موجّها ضد أخيهم وأبيهم. ومنذ ذلك اليوم، احترف بنو إسرائيل فنون التآمر، ومارسوه أولا فيما بينهم، منذ نشأتهم وحتى نهاية مملكتهم الأولى في فلسطين. وبعد السبي البابلي، وشتاتهم في شتى بقاع الأرض، أصبح بعضا من تآمرهم، يُحاك ضد الشعوب التي يقيمون فيما بينها. وكان تطلّعهم دائما وأبدا إلى الملك والقوة والغنى والأفضلية، وكانت غايتهم على