الصفحة 111 من 330

الدوام، جمع المال بطرق غير مشروعة، من ربا ونصب واحتيال، والتقرب من أصحاب السلطة والنفوذ بالإغواء والإغراء، للتلاعب بهم وتحريكهم من وراء الستار، لإيقاع الفتن والحروب بين الشعوب، لضمان السيطرة لتلبية مصالحهم واحتياجاتهم، ولذلك تجدهم يجتمعون ويُخطّطون ويعملون باستمرار بلا كلل أو ملل، وتاريخهم قديما وحديثا غني بالأمثلة والشواهد.

اليهود والمُلك المادي

ملك يوسف عليه السلام:

كانت نشأة بني إسرائيل كقبيلة بدوية، تعيش ضمن قبائل البدو، في صحراء النقب، وكان أول عهد لهم بالمُلك، في زمن يوسف عليه السلام، تحت التاج الفرعوني في مصر، حيث وفّر لهم الُملك آنذاك حياة هانئة رغيدة، وأزال عنهم بؤس وشقاء حياة البدواة، ولما زال ملك يوسف عليه السلام بوفاته، انقلب حالهم رأسا على عقب، فقاسوا شتى أنواع العذاب والمهانة، ومنذ ذلك اليوم ترسخّت لديهم قناعة بأن الملك والغنى يعني السعادة، وزوالهما يعني الشقاء.

رفض نبوة موسى عليه السلام:

وعندما بعث سبحانه لهم موسى عليه السلام، لم يستجيبوا له، فهم لا ينتظرون من يدعوهم إلى الله، ولا يؤمنون بما هو غيبي وغير محسوس، دين فيه إله غير مرئي، يمنح جنة غير مرئية، والحصول عليها مشروط بالصلاح والإصلاح، بعد عمر طويل، وبعد موت وبعث وحساب، وإنما يؤمنون بمن يمنحهم، ملكا مجانيا دنيويا ماديا، عاجلا لا آجلا، يكون في متناول اليد، بلا جهد أو عناء منهم لتحصيله، ولا مانع لديهم بعد ذلك، أن يكون لهم إله، بشرط أن يكون محسوسا، ويوافق أهوائهم، كالعجل الذهبي الذي صنعه لهم السامري، فسارعوا لعبادته، لذلك عانى منهم عليه السلام ما عاناه، في رحلته معهم من مصر، إلى الأرض المقدّسة.

طلب المُلك بدعوى الرغبة في القتال:

وبعد موته عليه السلام، وبعد انقضاء سنوات التحريم الأربعين، لم يطلبوا من نبيهم قيادتهم للقتال، لدخول الأرض المقدسة، وإنما طلبوا منه أن يبعث الله لهم مَلِكا، وذلك طمعا في المُلْك، وليس للقتال في سبيل الله كما زعموا، إذ أنهم بعد أن كُتب عليهم القتال، تولوا إلا قليل منهم، وبالرغم من ذلك منّ الله عليهم بالملك، فكانت مملكتهم الأولى في الأرض المقدسة، بقيادة داود وسليمان، الذين لم يكن لبني إسرائيل معهما حول ولا قوة، إذ لم يستطع مترفوهم وفسقتهم، من الوصول والتغلغل والتدخل في شؤون الحكم، لاجتماع الملك والنبوة فيهما عليهما السلام، بل لعنهم داود آنذاك، كما لعنهم عيسى عليه السلام من بعد.

مُلكًا لا نبوة فيه:

وبعد أن توفّى الله سليمان، وخرجت النبوة من الملك، كان لهم ما أرادوا - امتحانا لهم وابتلاء منه عزّ وجلّ - فأفسدوا فيها أيّما إفساد، فوقع منهم القتل في الأنبياء والصالحين والمستضعفين، وإخراج بني جلدتهم من أرضهم، وسلب ونهب ممتلكاتهم، وعصيان أوامر الله، والاعتداء على حدوده، بمخالفتهم الوصايا العشر برمتها، بما فيها الشرك بالله باتخاذ الأصنام والشياطين والملائكة، أولياء من دونه، فأزال الله عنهم المُلك عقابا لهم، على يد نبوخذ نصر البابلي وجيوشه، وكان فيهم السبي والإخراج من الأرض المقدّسة، لقسم كبير منهم، ومع علمهم بفسادهم وعقاب الله لهم ببعث البابليين عليهم، إلا أنهم عاتبون وغاضبون على الله، لأنه أخطأ في حقهم - حسب اعتقادهم - بإنزال عقاب أولى الإفسادتين فيهم، ويعتبرون وعده لهم برجوعهم من الشتات للإفساد الثاني، هو تصحيح للخطأ الأول. بالإضافة إلى ذلك تجدهم، يصبّون جام غضبهم على بابل والبابليين، وكأن بعث البابليين على شعب الله المختار، كان من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت