الصفحة 112 من 330

تلقاء أنفسهم، ودون وجه حق، ولم يكن هذا البعث من قبله سبحانه. فقد جاء في سفر إشعياء"52: 3: قد تمّ بيعكم مجّانا، ومجّانا من غير فضة تُفدَوْن (أي يُعادون إلى فلسطين) ، قد نزل شعبي أولا إلى مصر ليتغرّب هناك، ثم جار عليه الآشوريون بلا سبب".

عيسى عليه السلام لم يوافق أهواءهم:

ومع بقاء بعضهم في الأرض المقدسة، من الذين كانوا قد أخرجوا من المملكة من المستضعفين، وعودة بعض المسبيين من بابل، بعد مدة من الزمن، حيث لم يكن لهم فيها من أمرهم شيئا، كانت أعينهم تتطلع إلى المُلك من جديد، حيث كانوا يظنّون أن علوهم الثاني، سيكون بعد عودتهم من بابل مباشرة، إذ كانت لديهم عدة نبوءات، الأولى بعيسى عليه السلام الذي سيُبعث من جبال ساعير (القدس) ، فانتظروه ليقيم لهم ملكهم الثاني، وفي فترة انتظارهم، تناوب على حكمهم عدة شعوب، إلى أن بُعث عيسى في زمن الحكم الروماني لفلسطين، فدعاهم للعودة إلى الله والمحبة والسلام والتواضع، وعندما تيقنوا أنه ليس من طلاب الملك على اليهود، بالرغم من توافق صفته مع ما جاءت به التوراة، حاربوه وعادوه وكادوا له، وتآمروا عليه وحرضّوا الرومان الوثنيون على قتله وصلبه.

وملك البرّ لم يوافق أهواءهم:

وقبل بعث عيسى وبعده، تعرّضوا للكثير من الذل والهوان، من الشعوب التي حكمتهم، في كل مرة قاموا فيها، بالتمرد والعصيان للاستقلال وإقامة الملك، وكان آخرها على يد (هدريان) الروماني، الذي أخرجهم منها بشكل نهائي، ففرّق الله شملهم في شتى بقاع الأرض، فاتجه قسم كبير منهم إلى الجزيرة العربية، وسكنوا بالقرب من المدينة المنورة، مكان هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام، صاحب النبوءة الثانية لديهم، ملك البرّ، الذي سيُبعث من جبال فاران (مكة) ، ويكون له ولخلفائه ملكا، يشمل مشارق الأرض ومغاربها.

وكان اليهود يترقّبون أخباره، ويحسبون لزمان مولده ومبعثه، مع كرههم وعدائهم المسبق له، كونه من ولد إسماعيل وليس منهم، وعندما بُعث عليه السلام، عاينوا صفته، وامتحنوه بأسئلتهم بما علموا وما لم يعلموا، ولما تبيّنوا صدق نبوته، حاولوا استمالته لجانبهم بالإغواء والإغراء، مستغلين رغبته عليه السلام في اتباعهم له، كونهم أهل كتاب، وهم الأقرب لتصديقه ومؤازرته ومناصرته، وكان مرادهم منه، هو اتباع ملتهم لتحقيق رغباتهم وأهوائهم، لإخراجه من الجزيرة إلى فلسطين، لإقامة ملكه عليهم هناك، ففضحهم رب العزة، وحذّر رسوله الكريم من الوقوع في حبائلهم وشراكهم، ولمّا تيقّنوا من عدم رضوخه لهم، أنكروا نبوته وناصروا المشركين عليه، وكادوا له بكل ما أُتوا من مكر ودهاء وحيلة، فآذوه وآذوا أصحابه، ولم يدخّروا في ذلك جهدا، وحاولوا فتنته وقتله عدة مرّات، إلى أن تمّ جلائهم وإخراجهم من جزيرة العرب.

البحث عن المُلك القاروني، وانتظار المَلك الإله، على النمط الفرعوني آخر الزمان:

ومع ظهور الإسلام، ومعرفتهم بما سيكون من أمره، من سرعة انتشاره، واتساع دولته لتشمل مناطق شاسعة من العالم، ومن ضمنها سيطرته على الأرض المقدّسة، تلاشت أحلامهم في عودتهم إليها، لإقامة ملكهم الأممي الثاني فيها على المستوى الفرعوني، فتخلّوا عن ذلك الطموح مؤقتا، وشرعوا في تحقيق الملك الفردي على المستوى القاروني، بجمع المال بالطرق المشروعة وغير المشروعة، من ربا واحتيال وسرقة والتهريب وتجارة الرقيق والدعارة، والتمتع بزينة الحياة الدنيا من جرّاء هذا الكسب، واستمروا على تلك الحال، إلى أن تمكنّوا من إقامة دولتهم الحالية في فلسطين، منتظرين حكم العالم أجمع، من خلال النبوءة الأخيرة، بالذي يأتي من ربوات القدس (مسيحهم المنتظر) .

وبعد ذلك اتجه أغلبهم إلى الشمال، وتفرقوا في البلاد العربية الأخرى، فتواجدوا في العراق وبلاد الشام ومصر والأندلس، وبالرغم من تعامل الإسلام السمح مع أهل الكتاب، إلا أنهم كانوا مقيّدين، بما وضعه الإسلام من قيود، على أهوائهم ومطامعهم المادية، ووجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت