الصفحة 113 من 330

القرآن عدوهم اللدود وثيقة أبدية، تكشف طبائعهم وحقيقة نواياهم وتحذر منهم. ولكي يستطيع أحدهم من العيش في ظل الحكم الإسلامي، كان يعمد إلى إظهار إسلامه وإخفاء يهوديته، أو أن يُرغم نفسه كارها على التخلي، عن طبائعه وأهوائه في الفساد والإفساد، وهذا مما لا يوافق طبعهم، ولا ما يأمرهم به تلمودهم، ولذلك آثر الكثير منهم الهجرة، من كل البلاد، التي كانت تخضع للحكم الإسلامي تباعا، على مرّ العصور، ومن ثم استقر بهم المقام في القارة الأوروبية، حيث وجدوا فيها متنفسا في البداية، لجهل الأوربيين بطبيعتهم البشعة.

الاضطهاد الأوروبي لليهود، وفشلهم في تحصيل المُلك القاروني:

وعندما تبين للأوربيين مع مرور الوقت، أن الكثير من المشاكل والمصائب والكوارث الاجتماعية والاقتصادية، من فقر ومجاعات وانهيارات اقتصادية، وانتشار للفساد والرذيلة، كان سببه اليهود، وضعوا الكثير من الحلول لمواجهة مشكلتهم، مثل سن القوانين التي تقيد حركتهم وتعاملاتهم، فلم تكن تجدي نفعا، مع ما يملكون من مكر ودهاء. وتم عزلهم في أحياء سكنية خاصة بهم، فلم يجدي ذلك نفعا، فكان لا بد من الحل الأخير، وهو طردهم ونفيهم، من معظم بلدان أوروبا الغربية، وكان رجالات الكنيسة آنذاك، يعملون كمستشارين للملوك في العصور الوسطى، وكانوا يؤيدون تلك الإجراءات ضد اليهود، لتحريم المسيحية للزنا والربا، بالإضافة إلى ما اكتشف من تجديف على المسيح والدته، وكره وبغض وعداء للمسيحيين، في تلمودهم السري، الذي جلب لهم المذابح الجماعية في بعض البلدان الأوربية، كإسبانيا والبرتغال، وفي النهاية تم طردهم بالتعاقب وعلى فترات متباعدة، من فرنسا وسكسونيا وهنغاريا، وبلجيكا وسلوفاكيا والنمسا، وهولندا وإسبانيا وليتوانيا، والبرتغال وإيطاليا وألمانيا، بدءا من عام 1253م وحتى عام 1551م، فاضطر اليهود للهجرة، إلى روسيا وأوروبا الشرقية والإمبراطورية العثمانية.

إذن لا بدّ من التآمر:

فأصبح لليهود كشعب مشتت همّا مشتركا، من جرّاء الاضطهاد والتعذيب والطرد، من قبل الأوروبيين. وأبواب الجنّة الأوربية قد أغلقت من دونهم، حيث بدأ هناك بعد رحيل أغلب اليهود، ما يُسمى بالنهضة الأوروبية، فحيل بينهم وبين تحقيق أحلامهم، سواء على مستوى الملك الأممي، أو مستوى الملك الفردي، وهذا ما لا يستطيعون احتماله أو تقبّله، وهذه الأجواء تذكّرنا بأجواء المؤامرة الأولى في تاريخهم، حيث واجه أخوة يوسف همّا مشتركا، تمثّل في شعورهم بالدونية، بالمقارنة مع يوسف وأخيه، وكان دافعهم الحسد، فاجتمعوا سرا وتآمروا، وأجمعوا فنفّذوا.

ويحضرني في هذا المقام قول لابن القيم، إذ يقول في كتاب الفوائد أن أصول المعاصي، ثلاثة: الكبر والحرص والحسد، فالكبر جعل إبليس يفسق عن أمر ربه، والحرص أخرج آدم من الجنة، والحسد جعل أحد ابنيّ آدم يقتل أخاه، وبعد التدبر في هذا القول، ستجد أن الطريق إلى الوقوع في المعصية، هو الوقوع فريسة للمقارنة والمفاضلة، من خلال الاعتماد على الحواس فقط، وبتغييب العقل والفؤاد، وبالتالي فقدان القدرة على الاستبصار، والحكم على الأمور، وقد نهى سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن، عن المقارنة والمفاضلة، وحسم الأمر بأن الفضل من لدنه، يؤتيه من يشاء من عباده، أما اليهود وبعد إطلاعي على ما جاء في توراتهم وتلمودهم، فإنهم جمعوا فيها أصول المعاصي كلها، فالكبر جعلهم أفضل الناس على الإطلاق، والحرص جعلهم يفضّلون الدنيا على الآخرة، والحسد جعلهم يستبيحون ممتلكات الآخرين ويستحلّونها لأنفسهم.

(لوثر) بإصلاحاته الكنسية في القرن السادس عشر، يُمكّن اليهود من احتلال أوروبا اقتصاديا:

وعندما تم تدمير السلطة الكنسية، التي قام بها الإصلاحيون في أوروبا (بفعل اليهود أنفسهم) ، وضُمّت التوراة إلى الإنجيل في كتب النصارى المقدسة، وجد اليهود بعض القبول في الدول الأوروبية، فعادوا إليها شيئا فشيئا، ونتيجة للاضطهاد والطرد الجماعي، الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت