وتستطيع تصوّر الكيفية التي يتعامل بها اليهود، مع باقي البشر، من خلال الكيفية التي يتعامل بها ذلك الابن مع باقي أخوته، وهذه الكيفية هي ما تجده في تعاليم التلمود.
وأخطر معتقدات اليهود، هو عدم الإيمان باليوم الآخِر، فمؤدى نكران اليوم الآخِر، هو نكران للبعث بعد الموت، ونكران للحساب، ونكران للجزاء الأخروي، والبديل إن وُجد فهو الجزاء الدنيوي. وهذا مما يؤدي إلى الاعتقاد بعبثية الخلق، وعبثية الإيمان بالله أصلا، فلا جدوى من الصلاح والإصلاح، إن لم يكن هناك ثواب، ولا ضير من الفساد والإفساد، إن لم يكن هناك عاقبة، وبعض من هذه الأفكار الإلحادية، تجدها في التوراة في سفر الجامعة، سفر العبث والعبثية. ولذلك أخذ اليهود على عاتقهم، مسؤولية الإفساد في الأرض دونما وازع أو رادع، بما أخفاه مؤلفو التوراة من ذكر لليوم الآخر ومتعلّقاته، فالثواب حسب اعتقادهم، هو مقدار ما ينالونه من كسب دنيوي بشتى الوسائل والسبل، والعقاب هو مقدار ما يخسرونه من هذا الكسب. وحتى يُجنّب رب العزة أمّة الإسلام خطر هذا الاعتقاد، اقترن ذكر الإيمان بالله بذكر الإيمان باليوم الآخر والآخرة، بصريح اللفظ 26 مرة في القرآن، وتكاد لا تخلو سورة من ذكر متعلّقاته أو التذكير بها، من بعث وحساب وجزاء، وما يليه من عقاب وثواب. وانعدام إيمانهم باليوم الآخر، أوجد لديهم الصفات السلبية، التي تمتعوا بها على مرّ العصور، مثل الحرص على الحياة، والجبن، والبخل، والسعي وراء الكسب المادي، وانعدام المبادئ والقيم والصفات البشرية المحمودة.
وللتعويض عما حذفوه من الأصول العقائدية الصحيحة، وللتوفيق ما بين المعتقدين السابقين، طرح مؤلفو التوراة والتلمود، الكثير من الأفكار الإلحادية، كفكرة الملك الإله الرب من نسل داود، الذي سيظهر بلحمه ودمه، ليسكن جبل صهيون في القدس، ويحكم العالم إلى الأبد، لينفوا بعبارة (إلى الأبد) أي أمل لليهود ليعتقدوا بنهاية الحياة الدنيا، وبوجود حياة أخرى هي التي تتصف بالأبدية، مما أبهم على العامة مصير الروح بعد الموت، فطرحوا حول مصيرها أفكار متضاربة، هي أقرب إلى المعتقدات الوثنية، منها إلى أي شيء آخر.
أثر هذه المعتقدات في الشخصية اليهودية:
كان السبي البابلي بما أحدثه من دمار وتنكيل وأسر، أكبر صدمة يتعرض لها الشعب اليهودي، حيث قلبت كيانهم رأسا على عقب، ولم تقم لهم قائمة منذ ذلك اليوم، حتى تمكنوا من تحقيق علوهم الثاني في فلسطين، ولولا مشيئة الله التي ينكرونها ما كان. والذي لم يكن يتخيله أو يتصوره اليهود آنذاك وهم في قمة علوهم الأول، أن يتخلى عنهم رب الجنود، وأن يبعث عليهم أمة جافية الوجه، لتعمل فيهم سيف انتقامه، وأن يُنزل بهم ضعة وذلّا وخزيا، بعد عزة وقوة وعلو، بالرغم من كل ذلك الدلال - الموثّق في التوراة - الذي أحاطهم به، منذ خروجهم من مصر، وما أجراه لهم من معجزات، وعفوه سبحانه عنهم رغم كفرهم وعصيانهم وعدوانهم، مرارا وتكرارا، حتى أدخلهم إلى الأرض المقدّسة، وأقام لهم مملكة بلا جهد أو عناء.
وبالرغم من وضع نبوءة الإفسادين وما يليهما من عقاب، سيفا إلهيا مسلطا على رقابهم، لم ولن يرجعوا عن غيهم وطغيانهم، فهم مسكونون بما تقوّله كهنتهم وأحبارهم وحاخاماتهم (الحكماء) ، على الله وعلى رسله، وعلى كل ما هو مقدّس، مما أدى إلى إصابتهم كأمّة، بحالة معقدّة من الفصام العقلي، من جراء اعتناقهم لمعتقدات خاطئة، نتيجة ما زرعه حكماؤهم في التوراة والتلمود، من خرافات وأساطير وآراء وتفسيرات، هي أقرب ما يكون إلى الأوهام والهلاوس، فأنبتت تلك المسوخ الشيطانية، عديمة البصر والبصيرة، التي اتّحدت وآمنت بشكل جماعي بمعتقدات خاصة بها، تتنافى مع الطبيعة البشرية السليمة، فرُفضت واضطهدت من كل المجتمعات البشرية، التي ساءها ذلك السلوك الجماعي الشاذ والمنحرف لتلك المسوخ، وبالتالي لم تجد الشعوب، حلا لمشكلتهم، إلا الطرد والنفي، أو إجبارها بمراسيم ملكية، على التقوقع والعيش كالبهائم في حظائر المواشي، المسماة بالغيتوهات أو الكيبوتس، ومع ذلك لم ينجح هذا الحل، وظنّ الغرب أنهم بإيجاد غيتو كبير لهم فلسطين، ونفيهم إليه وحشرهم فيه، سيتخلصون من مشكلتهم إلى الأبد، ولكن تبين لهم بعد فوات الأوان، أنهم كانوا على خطأ، إذ أنهم بعد تمكّنهم من إقامة وطن قومي لهم، أصرّ معظمهم وخاصة الأغنياء منهم على