أنه جاء من عند الله، وأنكروا أنه عقابا لهم على إفسادهم ( ... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ(13) ... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14 الحشر) . فخروج البابليين كان حسدا من عند أنفسهم، ورغبة منهم للاستيلاء على كنوزهم، لذلك كان لا بد لهم من الانتقام منهم، عندما تُردّ لهم الكرّة مرة أخرى، فخطّوا بأقلامهم ما ستقرأه لاحقا.
أخبر سبحانه بأنه سيكون لليهود، كرّة على أولئك العباد (الكلدانيين) ، وذلك بهزيمتهم عسكريا في حروبهم معها، وقد تحصّل ذلك في كافة حروبها مع العرب، ومن ضمنها العراق، في بدايات نشوء الدولة اليهودية، ونسب سبحانه ردّ الكرة إلى نفسه، ليُذكّرهم ويُؤكدّ لهم أنّ ما تمّ لهم ذلك، إلا بإذنه ومشيئته، منًّا وكرمًا، وعقابا للعرب على نكوصهم عن دينهم، وتخليهم عن حمل رسالتهم، فما من مصيبة تقع في الناس، إلا من كسب أيديهم، كما أخبر سبحانه في غير موضع من كتابه العزيز، بالإضافة إلى ما أوردناه سابقا من حكم إلهية، لعودة اليهود إلى فلسطين.
أمّا أن الله قد أمرهم، بتدمير العراق وإبادة أهله، وتحويل العراق إلى صحراء قاحلة، تسكنها الثعالب، فحاشا لله، أن يأمر أو يُحرّض الناس على الإفساد في الأرض، وهو الذي سيمحو ذكرهم عن فلسطين، على أيدي العراقيين أنفسهم، لعظم ما أفسدوه في أرضه، ولأجل الإفساد ذاته، ولأجل سفك دماء الأبرياء الذي هو أعظم الإفساد في الأرض. إذ أنهم فور امتلاكهم للقوة والسلطة، أسرفوا في القتل والتنكيل، أيّما إسراف، في الأرض على عمومها، فأصابعهم ملوثة بدماء ضحايا كافة الحروب على مرّ العصور. ففي مملكتهم الأولى أوقعوا القتل والنهب والنفي في أبناء جلدتهم، وفي دولتهم الثانية كرّروا فعلتهم في شعب فلسطين.
ولا يغب عن البال أن هذه النص التحريضي، بما يحفل به من مبالغة وتهويل، وتكرار وتطويل، كُتب بعد السبي البابلي، قبل 2500 عام تقريبا، كدعوة للانتقام من بابل القديمة، عند عودتهم من السبي والشتات إلى فلسطين، وإن كانت بابل قد وقعت في أيدي الفرس قديما كما جاء في التوراة، فمملكة فارس تقع إلى الشرق من بابل وأشور، والنبوءة تقول أن من سيُدمّرها جمع من الملوك يجتمعون عليها من الشمال. حتى جاءت دولتهم الحالية، وأخذ يهود هذا العصر، بكل ما لديهم من طاقات وإمكانيات ووسائل، على عاتقهم تنفيذ هذا البرنامج، الذي وضعه لهم أربابهم من الأحبار والكهنة (الحكماء) . ولو أنك أمعنت النظر في الواقع، وما مرّ بالعراق من أحداث، خلال عشرين سنة ماضية، تجد أن مرجعية كل تلك الأحداث، موجودة في هذا النص التوراتي وبالتفصيل.
ـ وفي ما يلي النص الكامل لوثيقة الثأر، والدعوة لتسديد الحساب القديم لبابل الجديدة، كما جاء في الإصحاح (50 - 51) من سفر ارميا، بما فيها من تكرار وتطويل:
التحريض الإعلامي:
"النبوءة التي قضى بها الرب، على بابل وعلى بلاد الكلدانيين، على لسان ارميا النبي: أخبِروا في الشعوب وأسمِعوا وارفعوا راية، أسمِعوا لا تخفوا، قولوا: قد تم الاستيلاء على بابل، ولحق ببيل العار وتحطّم مردوخ (أسماء لأصنام بابل) ، خربت أصنامها وانسحقت أوثانها، لأن أمة من الشمال، قد زحفت عليها، لتجعل أرضها مهجورة، شرد منها الناس والبهائم جميعا".
التنفيذ مرتبط بعودتهم إلى فلسطين:
"وفي تلك الأيام، يقول الرب، يتوافد بنو إسرائيل وبنو يهوذا معا، يبكون في سيرهم ويلتمسون الرب إلههم، يسألون عن الطريق صهيون ويتوجّهون إليها قائلين: هلم ننضمّ إلى الرب، بعهد أبدي لا يُنسى، إنّ شعبي كغنم ضالّة قد أضلّهم رعاتهم، وشرّدوهم على الجبال، فتاهوا ما بين الجبل والتل، ونسوا مربضهم، كل من وجدهم افترسهم، وقال أعدائهم: لا ذنب علينا لأنهم، هم الذين أخطأوا في حقّ الرب، الذي هو ملاذهم الحقّ، ورجاء آبائهم"