الصفحة 207 من 330

وثقافتها، وفرضها على شعوب تارة بالترهيب وتارة بالترغيب، وأما كلمة بابل في هذه النص إما أن تكون أُضيفت عن قصد من قبل الكهنة، بسبب الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام من بابل، وإما أن تكون قد استخدمت لترمز إلى الدولة العُظمى في هذا العصر. ولو حذفت كلمة بابل ووضعت كلمة أمريكا، لوجدت أن النص سيُصبح أكثر صدقا وتطابقا مع الواقع.

ولكن أغلب المفسّرين الجدد من النصارى بوجه خاص، كما تشير الكاتبة الأمريكية في الفصل السابق، يأخذون بالتفسير اللفظي للمسميات، التي جاءت في النصوص التوراتية والإنجيلية، ويقدّمون شروحاتهم وتفسيراتهم، لنصارى الغرب من ساسة وعامة، على نحو مغاير لما تُخبر عنه النصوص حقيقة، فبابل القديمة أينما جاءت في النصوص، تعني بالنسبة لهم بابل الجديدة أي العراق، بالرغم من أن النصوص تصف دولة عظمى، هي أقرب إلى أمريكا منها إلى العراق، وتوحي بأن لفظ بابل استخدام كاستعارة لفظية.

أما اليهود فهم يعلمون حقيقة ما تُخبر عنه النصوص، وبأن الدمار القادم والذي تُخبر عنه النصوص، سيكون لإسرائيل وأمريكا وحلفائهما، ولكنهم يستغلون الفهم الخاطئ والمضطرب للنصارى، لخدمة أغراضهم ومخططاتهم الشيطانية، ولحماية دولتهم من الأخطار المحدّقة بها. فهم متّفقون على أن هذه النبوءات تتحدث عن تدمير العراق، وبما أنها جاءت تحريضية بصيغة الأمر، فقد اتّحدوا لتنفيذ ما قضى به الرب على بابل، ولن تستكين لهم حال أو تلين لهم عزيمة، حتى يتحقق ما جاء في هذه النصوص، بجعل العراق أرضا قفرا صحراء قاحلة خاوية على عروشها، لذلك هم لا يكترثون بالشرعية الدولية ولا بالقانون الدولي، إذ لا يمتثل لهما إلا الضعفاء والأغبياء، فالقوانين الإلهية بشأن العراق، هي ما ينصاعون إليه ويلتزمون بتطبيقه، فالحرب على العراق حرب مُقدّسة، لأنهم موقنون تماما: بأنّ بقاء العراق يعني حتمية زوال إسرائيل ... وأنّ بقاء إسرائيل يعني حتمية زوال العراق ...

وما داموا يمتلكون مقدّرات الكاوبوي الأمريكي البريطاني، المُشترى بالرشوة والشهوة والرعب، والمأخوذ بجنون القوة. فلن يُثنيهم عن عزمهم، إلا أن يُبادوا قبل أن يُبيدوا الحرث والنسل. وبالتالي فإن بقاء العراق، يتحتّم عليه محو إسرائيل، من قلب الوطن العربي، وسحق تلك الفئران، المتلفّعة بريش النسر الأمريكي الأقرع.

وإن لم تكن الحرب العراقية الإيرانية من صنع أيديهم، فهم ساهموا فيها بشكل أو بآخر، فإيران تأتي في الدرجة الثانية في العداء التوراتي لإسرائيل، وكلنا سمع بفضيحة (إيران غيت) في الثمانينيات، التي كان بطلها الرئيس الأمريكي (ريغان) حيث كانوا يُؤيدون العراق علنا، ويُزوّدون إيران - التي كانت تنظر إلى أمريكا على أنها الشيطان الأكبر - بالأسلحة سرا، لإطالة أمد هذه الحرب، ولإبقاء العراق وإيران منشغلين فيها.

والسبب الأهم لإشعالها، هو الرعب الذي دب في قلوبهم من المارد العراقي، الذي أعاد إلى أذهانهم النبوءات التوراتية، وأيقظ في مخيلتهم شبح نبوخذ نصر، وكابوس السبي البابلي، ليقض مضاجعهم فلم ترقأ لهم عين، ولم يغمض لهم جفن، والذي بدأ يستيقظ من غفوته بامتلاكه المفاعل النووي. وسيكون بعد سنوات قليلة، قاب قوسين أو أدنى من إنتاج القنابل النووية. وما أن انشغل العراق في الحرب، وأصبح ظهره مكشوفا، حتى انسلت خفافيشهم، تحت جنح الظلام، لتصبّ حممها التوراتية الحاقدة، على ذلك المفاعل، في سنين صباه الأولى، لتُبيده عن بكرة أبيه.

وبعد أن خرج العراق من تلك الحرب، محتفظا بقوته وجبروته، ومع أول تصريح وتهديد له،"بحرق نصف إسرائيل، حال اعتدائها على أي قطر عربي"، على لسان الرئيس العراقي، جهارا نهارا في مؤتمر قمة بغداد، عام 1989م، أقامت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة - التي تمتلك معظمها تلك الأفاعي - الدنيا ولم تقعدها، حتى استطاعت زجّه وتوريطه، في الدخول إلى الكويت، بالتآمر والتواطؤ وبمكرهم ودهائهم المعهودين، ومن ثم حرضّت عليه من بأقطارها، بحجة رفع الظلم عن دولة الكويت، وتأمين منابع النفط، التي سيسطر عليها العراقيون. وكما خطّوا بأقلامهم سيناريو الحرب العالمية الثانية، أعادوا نفس السيناريو، في حرب الخليج، من ألفه إلى يائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت