الصفحة 222 من 330

من صور الدخول في القرآن:

نطرح فيما يلي بعضا من صور الدخول، مما ورد ذكره في القرآن الكريم:

- (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ، فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا، وَقُولُوا حِطَّةٌ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58 البقرة)

كان هذا وصف لكيفية الدخول، التي أُمر بها بنو إسرائيل على قرية مدين شبه الخاوية، بعد هلاك أغلبية أهلها بالعذاب، وتركهم لأرضهم ومساكنهم وممتلكاتهم من الزروع والمواشي، وهذا ما يُشير إليه قوله تعالى (فكلوا منها حيث شئتم رغدا) ، أي أن ما فيها من خيرات وأنعام، أصبح في متناول أيديهم بمجرد الدخول، وهذه العبارة قيلت لآدم وزوجه عند أمرهم بدخول الجنة، وكان هذا من لطف الله بهم ومنّه وكرمه عليهم، ولذلك طُلب منهم عند دخول باب القرية، التعبير بالقول والهيئة، عن شكرهم وطاعتهم لله على هذه النعمة، التي كانوا قد طلبوها سابقا، وتحصّلوا عليها دون جهد أو عناء، إذ لم يُجابهوا بأية ممانعة أو مقاومة، بل على العكس، قوبلوا بالترحيب، من قبل شعيب والقلة المؤمنة ممن بقي من قومه، لمصاهرة موسى عليه السلام لهم، وإقامته عندهم فيما مضى، والله أعلم.

- (قَالَ رَجُلَانِ، مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ(23 المائدة)

كان هذا وصف لكيفية الدخول، الذي أُمر به بنو إسرائيل، لدخول الأرض المقدّسة المأهولة بالسكان، في محاولة من رجلين مؤمنين عالمين بواقع الحال، لتشجيعهم وطمأنتهم، لعلهم يرجعون عن موقفهم الرافض، لدخولها وطرد سكانها الوثنيون، والاستيطان فيها بدلا منهم، حيث يؤكد لهما الرجلان، بأنهم لن يتعرضوا للأذى عند الدخول، وفي حال كانت هناك مواجهة، فلن يُكلّفهم ذلك سوى كسر الباب، بقتل الحراس المتواجدين عليه ومباغتة أهلها في الداخل. وعلى ما يبدو أن موسى عليه السلام، قبل أن يأمر بني إسرائيل بالدخول، كان قد بعث هذين الرجلين، للتجسس على أهل المدينة المقدّسة، فوجدا أن أهلها على غير استعداد للحرب، وأنهم لا يملكون جيشا، ولم يكونوا جبارين حقيقة، كما ادعى بنوا إسرائيل لاحقا، وأنهم لا يملكون سوى بضعة حرّاس، على باب المدينة فقط. وعندما أمر موسى قومه بالدخول، رفضوا مُتذرعين بجبروت أهلها تقاعسا وخذلانا وجبنا، فعقّب هذين الرجلين على قول موسى، بقولهم ذلك تفنيدا لادّعائهم، وتوضيحا لحقيقة الأمر، كما رأوها بأُمّ أعينهم، ومع ذلك أصرّ بنو إسرائيل على موقفهم، بقلة إيمانهم وفسقهم وجبنهم. ودخول كهذا يحتاج للمباغتة كعنصر أساسي، لمنع الخصم من الاستعداد والجاهزية للقتال، مما يُقلّل أو يمنع الخسائر في المواجهات المكشوفة، ويدفع الخصم إلى الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع، ومن ثم الرحيل عن الأرض.

- (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ، إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(34 النمل)

وكان هذا وصفا لكيفية دخول الملوك، على القرى المتمرّدة والمتطاولة، على أمرهم ومكانتهم، على لسان ملكة سبأ، تحذيرا لقومها من عصيان أمر الملك سليمان عليه السلام، وهذا الدخول هو الأسوأ على الإطلاق. وانظر في قول سليمان عليه السلام، عندما تمرّدوا على أمره، ولم يأتوه مسلمين كما طلب، حيث قال (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ(37 النمل) ، فعصيان أمر الملوك، ذوي القوة والعزة والأنفة والتطاول عليهم، بأي شكل من الأشكال، يُحمل على أنه تحقير وتقليل من شأنهم، ويُعتبر إهانة لا يستطيعون غفرانها. والرد عليها عادة ما يكون، كما هو ظاهر في رد سليمان عليهم، بإرسال جيش لا قبل للخصم به، لا من حيث العدد ولا من حيث العدة، ونتيجة فعلهم، هي كما وصفته ملكة سبأ في الآية الأولى، وما أكدّ عليه سليمان في الآية الثانية أعلاه.

وغاية هذا الدخول في العادة، تكون للانتقام ورد الاعتبار، باستباحة الأرض والمال والعرض، بتخريب الممتلكات والقتل والتنكيل في العامة، وأسر علية القوم وإذلالهم، ومن ثم قتلهم والتنكيل بهم، وسبي نسائهم وأطفالهم، وتسخيرهم للعمل كجواري وخدام في القصور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت