الصفحة 223 من 330

إمعانا في إذلالهم. ودخول كهذا عادة ما تُعلن فيه الرغبة في الانتقام، ويتم فيه تهديد الخصم مسبقا، لإذلاله وإدخال الرعب في قلبه، مما يكون أدعى لانهياره، وسرعة تداعيه عند المواجهة، في حال تجرّأ على ذلك.

- (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ، مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ، وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا(27 الفتح)

هذه هي المرة الأخرى، والوحيدة في القرآن، التي يرتبط فيها ذكر الدخول بالمسجد، وهو دخول المسجد الحرام في مكة، ولو أمعنت النظر في نص الآية، ستجد أنها تصف المسلمين أثناء تأدية العمرة، وقد جاء في كتب التفسير، أن هذه الرؤيا قد تحقّقت، فيما سُمّي لاحقا بعمرة القضاء، في العام التالي لصلح الحديبية، فأنزلت هذه الآية تصديقا للرؤيا ووعدا بالفتح. وأما الدخول العسكري لمكة والمسجد الحرام، فسُمّي في القرآن فتحا وليس دخولا. والمعروف أن المسلمين عندما خرجوا لغزو مكة، كانوا قد أعدوا عدة الحرب. وقد روى الإمام مسلم عن جابر:"أن رسول الله دخل مكة، وعليه عمامة سوداء، من غير إحرام"، وقال ابن كثير في تفسيره للآية (24) من نفس السورة، والتي سيرد نصها في الحديث عن فتح مكة، أن الرسول عليه الصلاة والسلام:"لم يسق عام الفتح هديا، وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم".

المقصود بدخول المسجد:

الدخول القادم للمسجد الأقصى، لن يكون لتخريبه كما وقع في المرة الأولى، ولن يكون بقصد الزيارة فقط، لأداء عبادة من العبادات، كما هو الحال عند دخول المسجد الحرام، الموصوف في الآية أعلاه. فالمقصود بقوله تعالى (وليدخلوا المسجد) هو الدخول إلى الأرض المباركة، التي تحوي هذا المسجد، أي فلسطين ككل والسيطرة عليها. وذِكر المسجد، الذي هو بمثابة القلب من الجسد، بالنسبة للأرض المباركة والمقدّسة، جاء للإشارة وللتأكيد على أن نفاذ الوعد بشكل كامل، سيتحصل أخيرا بدخول القدس، بعد إزالة العلو اليهودي من فلسطين، وإنهاء الوجود اليهودي فيها، الذي يفيده تقدّم ذكر الإساءة عن ذِكر الدخول.

ولو تمعنّت في قوله تعالى (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ(7) ، ستجد أن الغاية من البعث في الأصل، هي إساءة وجوه اليهود، وستتحصّل هذه الإساءة، من جرّاء ما وقع فيهم، من قتل وتنكيل وسبي وفرار. ومن ثم جاء ذكر المسجد، ليكون دخول القدس واستعادتها، نتيجة تأتّى من جرّاء ما وقع في اليهود من إساءة. والأنكى والأكثر إيلاما لليهود، هو أن تُتّخذ القدس عاصمة لدولة عربية كبرى، لتصبح أحلام يهود الشرق والغرب المتعلقة بها هباءً منثورا، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق. وبالتالي يكون مجيء لفظ الدخول في هذه الحالة، تأكيدا لتحرير فلسطين واستعادة المسجد والاستيلاء عليه من قبل المبعوثين، وأن البعث لم يقتصر على إساءة الوجوه فقط. والتشبيه هنا كان لصفة الدخول، منذ اجتيازهم لحدود الأرض المقدّسة، بما تخلله من قتل وتنكيل وأسر وإذلال، حتى وصولهم إلى قلب مدينة القدس، ليتأكد لنا زوال علوهم منها بشكل كامل قهرا وقسرا، بالضبط كما حصل في المرة الأولى، عند دخول البابليين بقيادة نبوخذ نصّر.

وعلى ما يبدو أن الدخول القادم، سيجمع بين صفتي الدخول الثاني والثالث، المشار إليهما أعلاه، لأن غاية الدخول القادم، تجمع ما بين غايتيهما، وهما أولا: طرد اليهود وإعادة الأرض لأصحابها الأصليين، وثانيا: إشباع الرغبة العراقية في الانتقام من اليهود وإذلالهم.

ومن جانب آخر، نجد أن قوله تعالى (ليسوءوا ... وليدخلوا ... كما دخلوه ... ) يصف ما سيجري على أرض فلسطين لحظة الوصول إليها، وحتى استعادة كامل أرضها. والذي سيجري حقيقة على أرض الواقع، حسب الوصف القرآني، ليس بمعركة، وإنما غزو من قبل أمة لا تعرف الرحمة، لأمة ضعيفة وجبانة مستباحة الأرض والمال والعرض. ولو أنك فكّرت بهذا الحدث نظريا، كما جاء به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت